آخر تحديث :الإثنين-13 يوليو 2026-12:04ص

ما الذي يراد لسواحل أبين؟ غموض المشاريع ومستقبل ثروات أبين

الأحد - 12 يوليو 2026 - الساعة 08:14 م
عبدالله الجفري


تتردد في الآونة الأخيرة أنباء عن مشاريع تطويرية كبرى تستهدف الشريط الساحلي لمحافظة أبين، تمتد من العلَم شرقاً إلى أحور، وتارة توصف بأنها كورنيش سياحي، وتارة أخرى بأنها مجمعات سكنية واستثمارية ضخمة. وبينما يرى البعض فيها فرصة للتنمية، يرى آخرون أنها تثير أسئلة مشروعة حول حقيقتها وأهدافها، وما قد تتركه من آثار على واحدة من أغنى مناطق اليمن بالثروات الطبيعية.


ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل التنمية هي مجرد إنشاء مبان وكورنيش على البحر، أم أنها تخطيط سليم يحافظ على الموارد، ويحترم حقوق الناس، ويضمن مصالح الأجيال القادمة؟ لذلك فإن أي مشروع بهذا الحجم، يعيد رسم ملامح سواحل محافظة بأكملها، يستحق أن يطرح أمام الرأي العام بكل شفافية، قبل أن يصبح واقعاً يصعب التراجع عنه.


ويتداول اليوم الحديث عن مشروع "كورنيش" يمتد على طول الساحل من منطقة العلَم شرق العاصمة عدن إلى مديرية أحور بمحافظة أبين، بطول يتجاوز مائتي كيلومتر، إلى جانب مخططات لمجمعات سكنية ومشاريع سياحية وعقارية في المنطقة نفسها. وهنا يبرز السؤال: لماذا هذا الساحل تحديداً؟ ولماذا في هذا التوقيت؟


تشير الدراسات الجيولوجية المتاحة إلى أن سواحل أبين الممتدة من العلَم إلى أحور تزخر بثروات طبيعية هائلة ما زالت بكراً إلى حد كبير، ومن أبرزها:


- حقول نفط وغاز واعدة لم تستكشف إمكاناتها بالكامل بعد.

- معادن استراتيجية ونادرة، مثل: النيوبيوم، واليورانيوم، والحديد، والرخام، والفلسبار.


وهنا يبرز السؤال المشروع: لماذا نسارع إلى تغطية هذه المساحات بإنشاء كورنيش وفنادق ومجمعات سكنية خرسانية فوق أراض تختزن ثروات وطنية سيادية؟


وحتى الآن، لا توجد إجابات حكومية واضحة، ولا دراسات مستقلة منشورة للرأي العام تشرح جدوى هذه المشاريع وآثارها. وهذا ما يثير مزيداً من التساؤلات، ويعزز الحاجة إلى الشفافية قبل المضي في أي خطوات قد تؤثر في مستقبل هذه المنطقة.


ويمتلك هذا الساحل موقعاً جغرافياً ذا قيمة استراتيجية كبيرة، إذ يرى عدد من المختصين في الاقتصاد البحري أن أجزاء واسعة منه تعد من أنسب المواقع لإنشاء ميناء محيطي استراتيجي يخدم الملاحة الدولية، ويعزز المكانة الجيوسياسية لليمن إقليمياً ودولياً.


فماذا سيحدث إذا غطي هذا الشريط الحيوي بالمباني والمشاريع السكنية؟


إن ذلك قد يغلق مستقبلاً أحد أهم الخيارات الاستراتيجية للدولة، وقد يجعل إعادة توظيف الساحل لأغراض سيادية أمراً بالغ الصعوبة من الناحية الفنية والقانونية والاقتصادية، نتيجة كلفة التعويضات ونزع الملكيات. وهو ما يعني التضحية بخيار وطني بعيد المدى في مقابل مكاسب عقارية مؤقتة وقصيرة الأجل.


والساحل الممتد من العلَم إلى أحور ليس مجرد شريط رملي، بل هو نظام بيئي متكامل يضم شعاباً مرجانية غنية، ومئات الأنواع من الأسماك والكائنات البحرية.


وعلى هذا الساحل تعتمد اثنتا عشرة جمعية تعاونية سمكية، تضم أكثر من ستة آلاف صياد، ونحو ألف وخمسمائة قارب صيد، يعيلون آلاف الأسر. فهل ستتحمل هذه المجتمعات المحلية تبعات مشروع قد يضر ببيئتهم البحرية ومصدر رزقهم الأساسي؟


إن التنمية الحقيقية لا تبدأ بالفنادق الفارهة أو الكورنيشات، وإنما تبدأ بتأهيل البنية التحتية من طرق وكهرباء ومياه صالحة للشرب، ودعم قطاعي التعليم والصحة اللذين يعانيان من تحديات كبيرة في المحافظة، وتنفيذ مشاريع تنموية مستدامة تنطلق من احتياجات المجتمع المحلي أولاً.




وأي مشروع قومي أو سيادي بهذا الحجم يجب أن يخضع لمنظومة إجرائية واضحة، تبدأ بدراسات الجدوى المستقلة، وتقييم الأثر البيئي، والاستشارة المجتمعية، والشفافية القانونية، وتنتهي بعرض الاتفاقيات على الجهات المختصة بالرقابة والتشريع وفقاً للقانون.


وعندما تبدو الدولة مستعجلة في تمليك أو تأجير أجزاء من سواحلها الاستراتيجية تحت مسميات استثمارية غير واضحة، فإنها قد ترسل رسائل سلبية إلى الشعب اليمني والى الدول الطامعه في خيرات الوطن وثرواتها وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، توحي بعدم وجود رؤية واضحة لإدارة الموارد الوطنية وحمايتها. كما قد يضعف ذلك الموقف التفاوضي لليمن مستقبلاً فيما يتعلق باستثمار موارده وثرواته البحرية.


إن أبناء أبين، عموماً، لا يرفضون التنمية ولا الاستثمار، لكنهم يرفضون قاطعاً أي مشاريع قد تؤدي إلى التفريط بالثروات الوطنية، أو الإضرار بالبيئة، أو تهميش المجتمع المحلي، أو مصادرة الخيارات الاستراتيجية للأجيال القادمة.


فالتنمية الحقيقية هي التي تبني الإنسان، وتحافظ على الأرض، وتصون الموارد، وتستمع إلى الناس قبل اتخاذ القرارات المصيرية.


إن سواحل أبين ليست مجرد شريط ساحلي، بل هي جزء من الثروة الوطنية اليمنية، وملك عام للأجيال الحاضرة والقادمة، وليست عقاراً للبيع، ولا ساحة للتجارب، ولا وسيلة للإثراء السريع.


فلنعمل جميعاً على حماية ثروات وطننا قبل فوات الأوان.