شهادة من واقع تجربة من جمال عبدة الزريقي
لم أكن أتخيل يومًا أن أصل إلى مرحلة أكتب فيها عن القات بهذه الصراحة، لكنني شعرت أن من واجبي أن أنقل تجربتي كما عشتها، لعلها تصل إلى شخص ما زال يظن أن القات مجرد عادة اجتماعية أو وسيلة عابرة لقضاء الوقت.
قبل سنوات بدأت رحلتي مع القات مثل كثير من الشباب. في البداية كنت أعتقد أنه يمنحني النشاط، ويساعدني على التركيز والعمل، لكنني لم أكن أدرك أنني، مع مرور الأيام، كنت أفقد أهم ما أملك: قدرتي على الاستغناء عنه.
في البداية كنت أبحث عن النشوة، ثم أصبحت أبحث عن الدافع للعمل، ثم وجدت نفسي أبحث فقط عن الإحساس الذي اعتدت عليه، حتى أصبحت أشعر أنني لا أستطيع ممارسة عملي كما ينبغي إلا بعد تعاطيه.
كان لدي حلم واضح. اتخذت قرار السفر إلى القاهرة، ولم يكن هدفي رحلة عابرة أو إقامة مؤقتة، بل كان هدفي الاستقرار، والعمل، وبناء مستقبل أفضل لي ولأسرتي، وتأمين حياة كريمة لأطفالي.
وصلت إلى القاهرة وأنا أحمل الكثير من الأمل والطموح، مؤمنًا بأن تلك الخطوة ستكون بداية مرحلة جديدة في حياتي. لكن بعد ثلاثة أشهر فقط، وجدت نفسي أتخذ قرار العودة إلى اليمن. لم أعد لأن حلمي انتهى، ولا لأنني لم أجد فرصة، بل لأن اعتمادي على القات كان أقوى مما كنت أتصور.
في تلك اللحظة أدركت حقيقة مؤلمة؛ وهي أن الإنسان قد يظن أنه يسيطر على القات، بينما الواقع أن القات قد يبدأ، شيئًا فشيئًا، بالتحكم في قراراته، حتى في القرارات التي تحدد مستقبله.
اليوم أنفق ما يقارب 150 ريالًا سعوديًا يوميًا على القات، أي نحو 4,500 ريال سعودي شهريًا، ومع ذلك لم يعد يمنحني الإحساس الذي كنت أبحث عنه في بداياتي. أبحث عن أجود الأنواع، وأنفق المزيد من المال، وفي كثير من الأحيان لا أصل إلى النشوة التي اعتدت عليها.
والأصعب من إنفاق المال، هو ذلك الشعور الذي يرافقني عندما أدفع هذا المبلغ الكبير ثم لا أصل إلى النشوة التي كنت أبحث عنها. في تلك اللحظة أشعر بحسرة شديدة، ليس فقط لأنني خسرت المال، بل لأنني أدرك أنني أصبحت ألهث خلف شعور لم يعد يأتي كما كان. أراجع ما أنفقته، وأفكر فيما كان يمكن أن أحققه بهذا المال، فأشعر أنني خسرت مرتين؛ مرة حين دفعت المال، ومرة حين لم أحصل حتى على الإحساس الذي كنت أطارده.
وعندما أتوقف لأحسب ما أنفقه خلال شهر واحد، أدرك حجم الخسارة. فهذه المبالغ كان يمكن أن تكون ادخارًا لمستقبل أطفالي، أو رأس مال لمشروع صغير، أو مساهمة في شراء منزل، أو استثمارًا يغيّر حياتي وحياة أسرتي. لكنها كانت تتبخر يومًا بعد يوم في ساعات قليلة، بينما تبقى آثارها على مستقبلي ومالي.
عندها أدركت أن المشكلة لم تعد في نوع القات أو جودته، بل في الاعتماد عليه. وأن الخسارة لم تعد تقتصر على المال، بل امتدت إلى الوقت، والفرص، والأحلام التي كان يمكن أن تتحقق، والمشاريع التي كان يمكن أن ترى النور.
لا أكتب هذه الكلمات لأهاجم من يتعاطى القات، ولا لأصدر أحكامًا على الآخرين، وإنما أكتبها كشهادة صادقة عن تجربة شخصية غيّرت مسار حياتي. قد تختلف التجارب من شخص إلى آخر، لكن هذه هي الحقيقة التي عشتها.
رسالتي إلى كل شاب يعتقد أنه ما زال يسيطر على القات: توقف مع نفسك لحظة، وفكر بصدق. إذا كنت لا تزال قادرًا على أن تعيش حياتك، وتعمل، وتسافر، وتستقر، وتبني مستقبلك دون أن تعتمد على القات، فتوقف عنه اليوم قبل أن يتحول من عادة إلى اعتماد. أما إذا شعرت أنك لم تعد تستطيع اتخاذ قراراتك أو ممارسة حياتك بعيدًا عنه، فاعلم أن الأمر لم يعد مجرد عادة، بل أصبح اعتمادًا يستحق أن تواجهه قبل أن يدفعك إلى خسارة ما هو أثمن من المال.
إن أخطر ما يسرقه القات ليس الأموال فقط، بل الأحلام، والطموح، والسنوات التي تمضي من العمر دون أن نشعر. فقد يظن الإنسان أنه يدفع ثمن حزمة قات، بينما الحقيقة أنه يدفع من مستقبله، ومن فرصه، ومن عمره.
ورغم كل ما مررت به، ما زلت مؤمنًا بأن الاعتراف بالمشكلة هو بداية الحل، وأن الإنسان قادر على استعادة حياته متى امتلك الشجاعة لطلب المساعدة واتخاذ قرار التغيير.
أكتب هذه الكلمات وأنا أتمنى أن تصل رسالتي إلى كل من لا يزال في بداية الطريق، حتى لا يجد نفسه بعد سنوات يردد العبارة نفسها التي أرددها اليوم:
لقد اكتشفت متأخرًا أن القات لم يسرق أموالي فقط... بل سرق جزءًا من صحتي و مستقبلي وأحلامي.