لم تكن الجغرافيا يوماً مجرد تضاريس صامتة، بل هي في عرف القوى العظمى "نص سياسي" يُكتب بالدم ويُقرأ بالاستراتيجية. وعندما يتطلع المراقب إلى مضيق باب المندب، خليج عدن، وبحر العرب، فإنه لا ينظر إلى ممرات مائية عابرة، بل إلى مسرح ممتد لـ"هندسة جيوسياسية" قديمة ومتجددة، تتداخل فيها الذاكرة الاستعمارية بالصراعات الدولية الراهنة، وتكشف أن عواصم القرار الدولي لا تنسى ثاراتها، بل تؤجلها لتصيغها في قوالب حديثة.
"الجهاز العصبي" البريطاني: أمن الملاحة أم إرث الهيمنة؟
في واجهة المشهد الراهن، تبرز "هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية" كواحدة من أهم الفواعل في تأمين الممرات المائية المحيطة باليمن. وعلى الرغم من أن اسمها قد يوحي بخصوصية بريطانية، إلا أن عملها يمتد ليشمل حركة التجارة العالمية بأكملها في هذه المنطقة الحساسة.
تتحرك الهيئة عبر ركائز معلنة تبدو في ظاهرها خدماتية بحتة؛ فهي تمثل "صلة الوصل" والقناة المركزية بين السفن التجارية العابرة والقوات البحرية الدولية والمشتركة المتواجدة في المنطقة. كما تدير ما يُعرف بـ"مخطط الإبلاغ الطوعي" لتتبع خطوط سير السفن، وتتولى إصدار التحذيرات والإرشادات الفورية عند وقوع أي حادث أمني أو تشويش إلكتروني، فضلاً عن صياغة "أفضل ممارسات الإدارة" لردع الهجمات.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرضه المنطق الجيوسياسي: لماذا تتحمل لندن كلفة وإدارة هذا النظام وتقدمه مجاناً وبلا مقابل مالي مباشر لشركات الشحن؟
الإجابة تكمن في "المقابل غير المرئي". بريطانيا، التي تعتمد كلياً على البحر في تأمين أكثر من 95% من وارداتها وصادراتها، ترى في استقرار باب المندب مسألة أمن قومي واقتصادي داخلي مباشر؛ فتعطل هذا الممر يعني قفزة جنونية في أسعار التأمين البحري وأسعار السلع داخل الأسواق البريطانية. علاوة على ذلك، يمنح هذا الدور لندن تفوقاً معلوماتياً واستخباراتياً هائلاً من خلال تدفق البيانات اللحظية لآلاف السفن ("البيانات بوصفها النفط الجديد")، ويعزز ريادتها التاريخية والتنظيمية للشؤون البحرية العالمية من مقراتها في لندن (حيث المنظمة البحرية الدولية وسوق لويدز للتأمين)، في محاولة مستمرة لإثبات مفهوم "بريطانيا العالمية" ما بعد البريكست، ضمن توزيع أدوار ذكي ومدروس مع الحليف الأمريكي.
الروائح البعد استعمارية وتفخيخ حواضر الجنوب
خلف لافتات "الأمن الدولي" والمصطلحات القانونية الناعمة لمكافحة القرصنة، يشم المراقب السياسي رائحة "بعد استعمارية" نفاذة. فالتاريخ يخبرنا أن لندن التي احتلت عدن عام 1839 واستولت على جزيرة ميون (بريم) لتأمين طريق الهند، لم تغادر المنطقة وجدانياً ولا استراتيجياً بعد خروجها العسكري عام 1967 عقب 129 عاماً من الاحتلال.
إن القراءة الفاحصة لكواليس ذلك الخروج تذهب إلى أبعد من السردية التقليدية؛ حيث يرى قراء التاريخ السياسي أن تسليم بريطانيا حواضر الجنوب لـ"الجبهة القومية" — الجناح اليساري الأكثر راديكالية وتطرفاً بمقاييس تلك الحقبة — على حساب التيارات الأخرى، لم يكن مصادفة، بل كان فصلاً من فصول الانتقام الجيوسياسي المؤجل ضد المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص.
لقد جاءت هذه الخطوة كرد فعل بريطاني غاضب على تحويل الرياض لتحالفاتها الاستراتيجية. فبعد أن كانت العلاقات تميل لصالح لندن التي ساهمت تاريخياً في قيام الدولة الموحدة باسم المملكة العربية السعودية، حسمت الرياض خيارها بالانتقال الكامل إلى "المظلة الأمريكية"، وهو التحول الذي توج بصفقة "البترودولار" التي ربطت سعر النفط بالدولار الأمريكي، موجهة بذلك ضربة قاصمة لمكانة الجنيه الإسترليني كعملة احتياط عالمية. ومن هنا، فإن زرع كيان نظام يساري راديكالي على الخاصرة الجنوبية للمملكة كان بمثابة بؤرة استنزاف وقلق أمني دائم هندستها لندن بعناية كنوع من الرد على الصعود الأمريكي والتحول السعودي.
في هذا السياق، ينظر الكثير من المراقبين بوجل إلى الدور الذي لعبته السفارة البريطانية من خلف الستار في فترات لاحقة؛ حيث تُتهم بتغذية وإدارة التناقضات الداخلية ودورات الصراع الدموية التي مر بها جنوب اليمن (وصولاً إلى أحداث يناير 1986). الهدف من وراء ذلك كان تكريس مبدأ "الدولة الفاشلة" القابلة للانفجار من الداخل؛ وهي البيئة المثالية التي تبرر لاحقاً مشاريع "تدويل الممرات" أو الاستحواذ غير المباشر على الجزر اليمنية الاستراتيجية مثل سقطرى وميون، وتحويلها إلى مساحات سائبة يُملأ الفراغ فيها تحت لافتة حماية الأمن الدولي وبواسطة وكلاء إقليميين.
شطرنج الكبار: من ثورة الجزائر إلى قطار طهران
إن سياسات الانتقام وتصفية الحسابات هذه ليست حكراً على طرف دولي دون آخر، بل هي "العقيدة الحاكمة" لإدارة النفوذ بين القوى العظمى، حيث تُستخدم تطلعات الشعوب وثوراتها أحياناً كأحجار شطرنج لضرب الخصوم.
ويتجلى هذا القانون بوضوح في المقايضة التاريخية المثيرة بين واشنطن وباريس في منتصف القرن الماضي:
الفصل الأول (الطعنة الأمريكية لباريس): عقب الحرب العالمية الثانية، سعت الولايات المتحدة لتفكيك الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة لوراثة نفوذها. وفي هذا الإطار، أوعزت واشنطن — وغضت الطرف — عن دعم جمال عبد الناصر والمد القومي لثورة الجزائريين ضد الاستيطان الفرنسي (1954 - 1962). رأت باريس في هذا السلوك الأمريكي طعنة في الظهر من حليف يفترض أنه يقود جبهة "الناتو"، وخصوصاً بعد إحباط أمريكا للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، مما أدى في النهاية إلى طرد فرنسا من شمال أفريقيا وبسط النفوذ الأمريكي.
الفصل الثاني (الرد الفرنسي في طهران): لم تتأخر فرنسا في رد الصفقة الجيوسياسية عندما سنحت الفرصة في أواخر السبعينيات. ومع اشتعال القلاقل ضد شاه إيران، محمد رضا بهلوي — الذي كان يمثل الحليف الاستراتيجي الأقوى و"شرطي" واشنطن وتل أبيب في المنطقة — فتحت باريس أبوابها لـ آية الله الخميني، ووفرت له في ضاحية "نوفل لوشاتو" حاضنة سياسية ومنصة إعلامية دولية محمية. من هناك، كانت تُبث الخطب والبيانات التي فجرت الشارع الإيراني، ليعود الخميني في النهاية إلى طهران عام 1979 على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية، مسجلاً أكبر صفعة استراتيجية تلقتها الولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن العشرين، بانهيار حجر الزاوية لنفوذها في الخليج.
خطوط الصدع الدائمة
تثبت هذه الشواهد المتناثرة في الجغرافيا والتاريخ حقيقة راسخة: إن القوى الاستعمارية والكبرى لا تترك وراءها فراغاً نقياً عندما تضطر للانسحاب، بل تعمد دائماً إلى زرع "خطوط صدع زلزاليه" يمكن تفجيرها والتحكم بها عن بُعد وقت الحاجة.
سواء كان الأمر يتعلق بتفخيخ جنوب اليمن بالصراعات لحماية الأطماع في جزره وممراته والانتقام من خسارة معركة البترودولار، أو كان يتعلق بإيواء الثورات المضادة لضرب حلفاء الأمس كما حدث بين واشنطن وباريس؛ فإن النتيجة التاريخية تظل واحدة: تظل المنطقة العربية والشرق الأوسط هي المسرح المفضل لتصفية هذه الحسابات الكبرى، حيث يدفع أبناء هذه الجغرافيا أثماناً باهظة من استقرارهم ومستقبلهم، بينما يعاد رسم الخرائط في الغرف المغلقة خلف البحار وفقاً لبوصلة المصالح والامتيازات الدائمة.