من منا لا يعرف مسرحية “غربان يا نظيرة”، أو لم يشاهدها، أو على الأقل لم يسمع عنها؟ يصعب أن تجد من عاش تلك المرحلة في عدن والمحافظات الجنوبية ولم تصل إليه أصداء هذا العمل، الذي تحول إلى واحدة من أشهر المسرحيات الكوميدية الساخرة، بعدما تناول أحداث 13 يناير والسلطة الحاكمة آنذاك بجرأة غير مألوفة، والتي بعد كم عرض لها مُنعت من الإستمرار ومن نقلها عبر التلفزيون، وتعرض بطلها للاعتقال من قبل جهاز أمن الدولة.
الفنان محمد الرخم كان بطل تلك المسرحية، والتي أصبحت آخر أعماله المسرحية في عدن قبل أن يغادر إلى صنعاء مضطرًا في العام 1986، بعد أن أصبح ملاحقًا أمنيًا بسبب ارتباطه بالنظام السابق برئاسة علي ناصر محمد، وبسبب مواقفه الناقدة للسلطة القائمة آنذاك.
لكن ما حدث في عدن لم يدفعه إلى التراجع، بل زاده إصرارًا على مواصلة رسالته، مؤمنًا بأن المسرح ليس مجرد وسيلة للترفيه، وإنما منصة لصناعة الوعي، وأن الفنان الحقيقي لا يكتفي بإضحاك جمهوره، بل يدفعه إلى التفكير وطرح الأسئلة.
بعد حرب صيف 1994 الغاشمة، قدّم في صنعاء مسرحية “إمبراطورية البراميل”، التي حملت إسقاطات سياسية جريئة على واقع ما بعد حرب المنتصر؛ ووضع على خشبة المسرح برميلين، أحدهما يحمل علم الجنوب، والآخر يحمل علم الشمال؛ وقبل العرض بيوم، حضر ضباط من الأمن السياسي لمشاهدة البروفة الأخيرة، وأبلغوا فريق العمل بمنع المسرحية ما لم تُزال البراميل من الخشبة.
وبعد نقاش طويل، وافق الرخم ظاهريًا على الإبقاء على برميل واحد باعتباره يرمز لدولة الوحدة؛ لكن في ليلة العرض، فوجئ الجميع بأن البرميل الواحد يحمل علم الجنوب على أحد جانبيه، وعلم الشمال على الجانب الآخر، في رسالة بصرية واضحة؛ وبعد انتهاء العرض مُنعت المسرحية من العرض مرة أخرى، كما مُنع نقلها عبر التلفزيون.
ولم تكن تلك التجربة استثناءً، بل أصبحت نهجًا متكررًا في مسيرته؛ فقد واصل تقديم أعمال مسرحية تنتقد الفساد والظلم وتنتصر للمواطن البسيط، ومن أبرزها: “سلطة المجانين”، و“بوفيه 2000”، و“أصول اللعبة”، وغيرها من الأعمال التي كثيرًا ما انتهى بها المطاف إلى المنع.
ومن اللافت أنه كان يحرص على توجيه الدعوات لحضور عروضه إلى السفارات العربية والأجنبية، إيمانًا منه بأن ما يحدث على خشبة المسرح يجب أن يصل إلى العالم، باعتباره مرآةً لما يعيشه المجتمع بعيدًا عن الرواية الرسمية؛ ولهذا اعتادت الأجهزة الأمنية حضور البروفات الأخيرة لأعماله قبل السماح بعرضها أو اتخاذ قرار بمنعها.
وفي عام 2010، حين كانت السلطة في ذروة قوتها، قدّم مسرحية “المحكوم عليه بالإعدام”، التي طرحت فكرة أن كل من يسعى بإخلاص إلى خدمة وطنه وإصلاحه يصبح، مجازًا، محكومًا عليه بالإعدام من قبل الأنظمة الدكتاتورية؛ وكما حدث مع أعمال سابقة، مُنعت المسرحية من الاستمرار، ولم يُسمح ببثها تلفزيونيًا.
ثم جاءت أحداث الربيع العربي عام 2011؛ وفي مارس من العام نفسه، قدّم مسرحية “ما في الجبة إلا الجحش”، التي وجّهت نقدًا ساخرًا للحاكم المستبد، لتنتهي بمشهد رمزي يكشف أن من يختبئ داخل الجبة ليس سوى “جحش”، في استعارة مسرحية لاذعة عن طبيعة الحكم.
لقد أدرك الفنان محمد الرخم مبكرًا أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من السياسة، بل من الوعي؛ وأن المسرح حين يمتلك الشجاعة، يستطيع أن يكون أحد أهم أدوات صناعة هذا الوعي، ولذلك ظل وفيًا لرسالته، حتى وإن كان ثمنها المنع والملاحقة.
قد يختلف الناس في قراءتهم لتجربته أو في تقييم مواقفه، لكن يصعب إنكار أنه اختار أن يجعل من المسرح مساحة لطرح الأسئلة، وأن يدفع ثمن ما يؤمن به، في زمنٍ لم يكن فيه ذلك خيارًا سهلًا.
ومازال مستمراً في نهجه على أمل يستجيب القدر وينجلي الليل عن وطننا وتشرق شمس المستقبل.
هذا المقال كُتب بعد استماعي إلى لقاء مع الفنان المتألق إبراهيم الزبلي في أحد البودكاستات، والذي يعتبر شاهداً على مرحلة مهمة من مسيرة الفنان محمد الرخم الفنية، وما حملته من مواقف وتجارب تستحق أن تُروى.
#عمر_الرخم