بقلم: د. غسان ناصر عبادي
لم يعد تأخير صرف المرتبات مجرد إجراء إداري أو مشكلة مالية عابرة، بل أصبح معاناة شهرية تثقل كاهل آلاف الأسر التي لا تمتلك مصدر دخل سوى الراتب الحكومي، وهو ما يستدعي تحركًا عاجلًا لإنهاء هذه الأزمة المتكررة.
ومن هذا المنطلق، نطالب الجهات المختصة بالإسراع في صرف مرتبات موظفي السلطتين المحلية والمركزية، إلى جانب مرتبات العسكريين والمبعدين، في المحافظات التي لم تُصرف فيها الرواتب حتى الآن، وفي مقدمتها العاصمة المؤقتة عدن، وأبين، ولحج، والضالع، وأن يتم إنجاز ذلك خلال هذا الأسبوع، بما يخفف من حجم المعاناة التي يعيشها الموظفون وأسرهم.
كما نجدد التأكيد على ضرورة إرساء مبدأ العدالة والمساواة في صرف المرتبات بين جميع موظفي المحافظات المحررة، بعيدًا عن أي تمييز أو تفاوت في مواعيد الصرف، فلا يعقل أن تُصرف الرواتب في بعض المحافظات منذ أيام، بينما لا يزال موظفو محافظات أخرى ينتظرون دون مبرر واضح، رغم أن العاصمة المؤقتة عدن هي المركز الإداري للدولة، وكان الأولى أن تكون في مقدمة المحافظات التي تُصرف فيها المرتبات.
إن الموظف الحكومي يواجه التزاماته المعيشية بصورة يومية، ولا يستطيع تأجيلها حتى موعد غير معلوم، فإيجارات المنازل، وفواتير الخدمات، واحتياجات الأسرة، والديون المستحقة لمحال المواد الغذائية والصيدليات وبائعي المياه والخضروات، جميعها التزامات لا تنتظر، فيما يبقى الموظف رهينة لتأخر راتبه، عاجزًا عن الوفاء بأبسط مسؤولياته تجاه أسرته.
ورغم الانخفاض الحاد في القيمة الشرائية للمرتبات، فإنها لا تزال تمثل شريان الحياة لآلاف الأسر، والحد الأدنى الذي يمكنها من توفير أساسيات العيش الكريم، ومن هنا، فإن انتظام صرف المرتبات في موعد ثابت نهاية كل شهر لم يعد مطلبًا فئويًا، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية وإنسانية، تسهم في استقرار الأسرة، وتنشيط الأسواق، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
إننا نناشد الجهات المعنية أن تجعل من انتظام صرف المرتبات أولوية قصوى، وأن تعتمد آلية واضحة وثابتة تضمن وصولها إلى جميع الموظفين في الوقت نفسه ودون تأخير، فالعدالة في صرف المرتبات ليست امتيازًا يُمنح، بل حقٌ أصيل لكل موظف كرّس سنوات عمره في خدمة وطنه، ويستحق أن يتقاضى مستحقاته بكرامة وانتظام.
فالراتب بالنسبة للموظف ليس مجرد رقم يُودع في حسابه، بل هو حياةٌ تتحرك، وأسرةٌ تعيش، وأطفالٌ ينتظرون، والتزامٌ يجب أن تؤديه الدولة في موعده، حفاظًا على كرامة المواطن واستقرار المجتمع.