آخر تحديث :الأحد-12 يوليو 2026-09:09م

بين الموقف الوطني والقراءة الواقعية عندما يتحول التحليل إلى جبهة عداء

الأحد - 12 يوليو 2026 - الساعة 06:10 م
عيدروس المدوري


بقلم عيدروس المدوري


شهدت الساحة الفكرية والسياسية في الآونة الأخيرة تحولاً خطيراً في معايير تقييم الآراء حتى كأننا نعيش في زمن أعوج اختلت فيه موازين المنطق وضاعت فيه الحدود الفاصلة بين الثوابت الوطنية الراسخة وبين القراءات التحليلية المتغيرة للواقع .

إن الأزمة الحقيقية اليوم لا تكمن في اختلاف وجهات النظر حول حدث ما بل في العجز البنيوي عن التمييز بين الموقف والمبدأ للإنسان تجاه وطنه وبين تفكيكه السياسي للمعطيات على الأرض .

لقد تحولت البيئة النقاشية للأسف إلى حقل ألغام فبمجرد أن تطرح قراءة موضوعية تستند إلى معطيات ملموسة وأرقام ووقائع وتأتي هذه القراءة بما لا تشتهي سفن الآخرين حتى وإن كانوا من أقرب الأصدقاء أو الرفاق يُفتح عليك باب الجحيم .

المفارقة الساخرة هنا هي أن الطرف الآخر لا يكتفي برفض منطقك بل يطالبك صراحة بتبني مقارباته وافتراضاته حتى وإن كانت تلك الافتراضات واهية ولا تنطبق إلا على سكان كوكب المريخ إن كان هناك سكان أصلاً في انفصال تام عن الواقع ومجرياته .

تكمن الكارثة الحقيقية عندما يتحول الاختلاف في تقدير الموقف إلى صك اتهام بالخيانة والعمالة هذا المنزلق الخطير يعكس أزمة وعي حادة تسطّح القضايا المعقدة.فـ :

الموقف الوطني هو قيمة أخلاقية ووجدانية ومبدأ ثابت يرتبط بالانتماء وحماية المصلحة العليا للبلد وهو أمر لا يملك أحد احتكاره أو منحه للآخرين .

التحليل السياسي هو جهد عقلي وقراءة ديناميكية للمتغيرات والمصالح وتوازن القوى يقبل الخطأ والصواب ويتأثر بالزاوية التي ينظر منها المحلل إلى الحدث .

إن محاكمة التحليل العقلي بمقصلة الولاء الوطني هي محاولة بائسة لفرض سياسة القطيع الفكري حيث يُراد من صاحب القلم أو الرأي أن يكون مصفقاً لتوجه معّين وإلا فمصيره الإقصاء والتشويه المعنوي .

عندما يعجز المجتمع أو النخبة فيه عن التفريق بين الرأي التحليلي والموقف الوطني فإننا ننحدر سريعاً نحو بيئة طاردة للعقول بيئة تصنع الأصنام الفكرية وتلغي مساحات النقد البنّاء .

إن الوطن لا يُبنى والثورات لا تنتصر بالتحليلات الحالمة التي تدغدغ العواطف وتجافي الحقيقة بل يُبنى بالمكاشفة وقراءة الواقع كما هو لا كما نتمنى أن يكون وصديقك الحقيقي وطنياً هو من يهديك عيوب المشهد ليقيك العثرات وليس من يبيعك الوهم في زجاجات فاخرة ولن يستقيم الميزان إلا إذا تعلمنا كيف نحترم عقول بعضنا ونفهم أن انتقاد الأداء أو تحليل الفشل ليس طعناً في الوطن بل هو أولى خطوات إنقاذه .