آخر تحديث :الأربعاء-29 يوليو 2026-12:13ص

عقلية التفاوض والصراع الإيراني: بين منطق الهيمنة الأمريكية والذاكرة.

الأحد - 12 يوليو 2026 - الساعة 01:42 م
د. جمال الهاشمي


أصبحت العلاقة بين طهران وامريكا منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979 واحدة من أكثر العلاقات تعقيدا في النظام الدولي المعاصر لأنها لم تقم فقط على خلافات سياسية أو ملفات أمنية محددة وإنما تأسست على تصور متبادل للصراع حول النفوذ والهوية والنظام الإقليمي والتحالف والاختلاف .

فإيران لا تنظر إلى التفاوض مع الولايات المتحدة كأداة دبلوماسية لحل الخلافات فحسب وإنما تضعه ضمن سياق أوسع ترى فيه مواجهة بين دولة تمتلك أدوات الهيمنة العالمية ودولة تحاول حماية استقلال قرارها السياسي والأمني.


وفي العقل السياسي الإيراني لا يوجد فصل حاد بين التفاوض والصراع والواقع والامكانات؛ فالتفاوض ذاته يمثل مرحلة من مراحل إدارة الصراع. ولذلك فإن طهران تدخل أي مفاوضات مع واشنطن وهي تحمل ذاكرة تاريخية عميقة تجعلها تنظر بحذر إلى النوايا الأمريكية وتعتقد أن الدبلوماسية الأمريكية غالبا ما تكون مرتبطة بأدوات ضغط موازية مثل العقوبات الاقتصادية والعزل السياسي والتهديد باستخدام القوة العسكرية وبناء التحالفات الإقليمية.

وهذه التجربة كشفتها العلاقة بينهما خلال حرب العراق حيث تمكنت إيران من خلق نفوذ مواز لأمريكا في العراق على عكس الدول العربية الأخرى المشاركة التي لم تخلق لها نفوذا وتركت المجال العراق كأهم مجالات أمنها مصدرا لتهديد قزى النفوذ الهيمنة.


وتقوم الرؤية الإيرانية على اعتقاد أساسي مفاده أن الولايات المتحدة لا تدخل التفاوض من موقع البحث عن تسوية متوازنة وإنما تستخدم التفاوض كوسيلة لإعادة تشكيل سلوك الخصم وإجباره على تقديم تنازلات استراتيجية.

ولذلك ترى طهران أن أي تفاوض يجب أن يسبقه امتلاك عناصر قوة تمنع تحويل الحوار إلى أداة لفرض الإرادة الأمريكية وهذا ما يجعلها امتداد لقوى نفوذ الاقطاب الصاعدة.

وهذا التصور الإيراني لا يمكن فهمه دون العودة إلى الذاكرة التاريخية التي تشكلت داخل الدولة والمجتمع الإيراني.

فمنذ تجربة الانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953 بعد أزمة تأميم النفط ترسخ لدى قطاعات واسعة من النخبة الإيرانية اعتقاد بأن القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة لن تتردد في التدخل عندما تتعارض مصالحها مع استقلال الدول.

وأصبح ذلك الحدث رمزا تاريخيا لفكرة أن الصراع مع واشنطن ليس مرتبطا فقط بالخلافات الحالية وإنما بجذور أعمق تتعلق بمفهوم السيادة والتحكم في القرار الوطني.

ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 لتعمق هذه القناعة وأن التحالف الدولي إنما كان بداية لاستعمار جديد تعثر بانفراد أمريكا على العراق ومن ثم تحويل العراق أداة أيرانية موازية للنفوذ الأمريكي حيث كانت ترى إيران أن تثبيت الاحتلال الأمريكي بقوى النفوذ الدولي يتطلب خلق حركة مقاومة من داخله باعتبار الوجود الغربي تهديدا لأمنها .

وقد رأت أن الحرب ليس نزاعا حدوديا بين دولتين بقدر ما هو مواجهة إقليمية ودولية شاركت فيها قوى كبرى لمنع تثبيت النظام الإيراني الجديد ومكاسبه السياسية والاستراتيحبة المنطقة لا سيما في ظل عدم وجود دولة عربية قادرة على ملء هذا الفراغ.

ومن هنا تشكلت لدى القيادة الإيرانية عقيدة أمنية تقوم على ضرورة بناء قدرات ردع مستقلة وعدم الاعتماد على ضمانات القوى الكبرى لأن تلك القوى قد تتحول من وسيط إلى طرف في الصراع.


كما شكلت حرب الخليج الثانية عام 1991 مرحلة جديدة في القراءة الإيرانية للسياسة الأمريكية ولذلك ترى طهران أن التدخل الأمريكي في الخليج لم يكن فقط ردا على غزو الكويت وإنما هو بداية لترسيخ وجود عسكري أمريكي مباشر في المنطقة وإعادة تنظيم موازين القوى بما يخدم المصالح الأمريكية وحلفاءها.

ثم جاء احتلال العراق عام 2003 ليعزز المخاوف الإيرانية، إذ وجدت إيران نفسها أمام وجود عسكري أمريكي على حدودها الغربية بعد سنوات من وجود أمريكي في الخليج.

أما الحرب الأمريكية في أفغانستان عام 2001 فقد أضافت بعدا آخر إلى الحسابات الإيرانية حيث رأت طهران أن وجود القوات الأمريكية شرقا وغربا يمثل محاولة لتطويقها جغرافيا واستراتيجيا.

ومن هنا تطورت القناعة الإيرانية بأن الصراع مع الولايات المتحدة لا يرتبط فقط بملف أو أزمة محددة وإنما هو جزء من تنافس طويل حول مستقبل الشرق الأوسط وموازين القوى فيه.

ولذلك فإن إيران تقرأ التفاوض الأمريكي وفق قاعدة الضغط أولا ثم التفاوض.

وترى أن واشنطن تستخدم العقوبات والتهديدات العسكرية والتحالفات كأدوات لتحسين موقعها التفاوضي قبل الجلوس إلى الطاولة.

ومن ثم تحاول إيران بناء أوراق قوة مقابلة سواء من خلال تطوير قدراتها العسكرية أو تعزيز نفوذها الإقليمي أو استخدام موقعها الجغرافي والاستراتيجي في حسابات الأمن والطاقة.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم مفهوم التفاوض تحت سقف المقاومة في السياسة الإيرانية؛ فطهران لا ترفض التفاوض من حيث المبدأ لكنها ترفض التفاوض الذي ترى أنه يجري تحت الإكراه.

و كما ترى أن الدولة التي لا تمتلك عناصر قوة لا تستطيع الحصول على اتفاق يحفظ مصالحها وأن التفاوض الناجح هو نتيجة لتوازن القوى وليس بديلا عنه.

كما أن البعد الديني والحضاري حاضر بقوة في الخطاب السياسي الإيراني.

فإيران تقدم صراعها مع الولايات المتحدة أحيانا باعتباره جزءا من مواجهة أوسع مع مشاريع الهيمنة الغربية في العالم الإسلامي وترى أن الحروب والتدخلات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية ليست أحداثا منفصلة عن استراتيجية الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية وأنها حلقات ضمن عملية إعادة تشكيل جبري للشرق الأوسط تحت قيادة إسرائيل للمنطقة .

لكن التحليل الواقعي للعلاقات الدولية يوضح أن الصراع الأمريكي الإيراني لا يمكن اختزاله في البعد الديني وحده فهو يتداخل مع صراع على النفوذ الإقليمي وأمن الخليج ومستقبل النظام الأمني في الشرق الأوسط والعلاقة مع إسرائيل والتحكم في الممرات الاستراتيجية والطاقة.

فالدين والهوية يمثلان عناصر مهمة في التعبئة السياسية ومع هذا تتحرك الدولة الإيرانية وفق حسابات القوة والمصلحة القومية.

ويبقى التساؤل .. هل المواجهة مع الولايات المتحدة هي مواجهة أيديولوجية أم أنها صراع بين مشروعين سياسيين حول طبيعة النظام الإقليمي؟

والإجابة الأقرب للتحليل الاستراتيجي أن الطرفين ينظران إلى الصراع من زوايا مختلفة؛ فالولايات المتحدة ترى إيران باعتبارها تحديا لنظام إقليمي قائم بينما ترى إيران أن الولايات المتحدة تسعى إلى منعها من التحول إلى قوة إقليمية مستقلة.


وفي النهاية فإن العقلية الإيرانية في التفاوض لا تنفصل عن تجربة تاريخية طويلة من الصراع وعدم الثقة.

ومع هذا لا ترى الحرب والتفاوض كمسارين متناقضين لأنها تعي بأن أن القوة هي التي تحدد شروط التفاوض وأن التفاوض هو وسيلة للحفاظ على نتائج القوة.

لذلك بقيت العلاقة الإيرانية الأمريكية تدور داخل دائرة معقدة: لا حرب شاملة تنهي الصراع ولا تسوية نهائية تنهي العداء وإنما إدارة مستمرة لمواجهة استراتيجية تتغير أدواتها بين الضغط والعقوبات والدبلوماسية والردع.