كتبه : عبدالباري الباركي الكلدي
يمر الجنوب اليوم بمرحلة حساسة وخطيرة، لم تعد ملامحها تبعث على الاطمئنان، بل تنذر بتبعات ثقيلة قد تزيد من معاناة شعبٍ أنهكته الأزمات وتراكمت عليه خيبات الأمل. فبدلًا من أن تتجه الأوضاع نحو الانفراج، يتسع نطاق الفوضى، وتتعمق حالة الإحباط، في ظل تنصل واضح من قبل الجهات المسؤولة عن واجباتها الأساسية، وعلى رأسها ملف الخدمات الذي أصبح شاهدًا حيًا على عجز مستمر وإخفاق متكرر.
لقد عاشت القضية الجنوبية سنوات طويلة تحت تمثيل قيادات كانت تُقدَّم على أنها الحامل السياسي لمشروع الجنوب، إلا أن هذه القيادات، رغم ما امتلكته من نفوذ وسلطة، لم تستطع أن تُحدث تغييرًا حقيقيًا في واقع الناس، واكتفت بالخطابات والشعارات، بينما ظل المواطن يواجه أزمات متفاقمة دون حلول ملموسة.
ومع تغير الوجوه وخروج قيادات وبقاء أخرى، لم يتغير الواقع، بل ازداد سوءًا. تدهورت الخدمات أكثر، وغاب النموذج الحقيقي للقيادة القادرة على إدارة المرحلة، واتسعت فجوة الثقة بين الشارع والقيادات، في مشهد يعكس أزمة عميقة في طريقة إدارة القضية.
الأخطر من ذلك، أن القرار السياسي لم يعد مرتبطًا بالأرض ولا بمعاناة الناس، بل أصبح يُدار من الخارج، وتُمرَّر الاتفاقيات بعيدًا عن إرادة الشعب، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول مصير القضية واتجاهها.
وأمام هذا الواقع، لم يعد مقبولًا استمرار نفس النهج، ولا التعويل على نفس الأدوات. فالشعب اليوم بحاجة إلى قيادة شجاعة سياسيًا واقتصاديًا، قيادة تنبثق من الداخل، تعيش معاناة الناس، ولا يمكن لها أن تغادر الوطن أو تنفصل عن همومه.
إن المرحلة تتطلب تفويضًا شعبيًا حقيقيًا لقيادات من داخل الأرض، قيادات يحميها شعبها وتستمد قوتها من وجودها بينه، لا من مواقع خارجية. ويكون التفاوض عبر وفود تمثل هذه القيادات وتعكس إرادة الداخل، لا أن تكون بديلاً عنها أو بديلاً عن القرار الوطني.
القضية الجنوبية ليست ملكًا لأشخاص، ولا حكرًا على أسماء، بل هي قضية شعب، والتمسك يجب أن يكون بالمبدأ لا بالأفراد. ومن يثبت قدرته وكفاءته فهو الأجدر بثقة الناس، أما من أصبح عائقًا، فلا مكان له في مستقبل يُراد له أن يُبنى على أساس حقيقي.
إن هذه لحظة مراجعة صادقة، ونداء وعي، فإما تصحيح المسار بإرادة شعبية حقيقية، أو الاستمرار في دائرة الأزمات التي لن تقود إلا إلى مزيد من المعاناة.