سعيد الجعفري
في خطاب يعد هو الأهم للشرعية اليمنية منذ عقد كامل من الزمن واجهت فيه اليمن حرب الحوثي، خرج رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني في خطاب الحقيقة والمصارحة، الذي حظي بالكثير من التفاعل، وشد انتباه الشارع اليمني، ولفت أنظار السياسيين والمهتمين والمتابعين للشأن اليمني، وجذب وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية ووسائل التواصل الاجتماعي التي تناقلت الخطاب على نطاق واسع، نتيجة دلالات ومضمون الخطاب، الذي جاء في التوقيت المهم للرجل الأهم، بكل ما يتمتع به من حضور دبلوماسي وسياسي وشعبي في المشهد، تجعل منه المصدر الموثوق لدى العامة في قول الحقيقة كما هي.
وبدا بأن الشارع اليمني عمومًا قد فهم بأنه الخطاب الأخير للشرعية، قبل انطلاق ساعة الصفر باتجاه الحسم، بينما قد يكون في منطق السياسة إقامة الحجة على الحوثيين، وعرض الفرصة الأخيرة للجنوح للسلم، في التراجع عن القرارات الخاطئة، والكف عن سوء التقدير لموقف الحكومة الشرعية، بعد أن بذلت منذ البداية كافة الجهود الممكنة لتجنيب اليمن تداعيات الحرب، التي يريد الحوثي استمرارها، وتريد الشرعية أن تضع نهاية لها سلمًا، وقدمت الحكومة التي يعترف بها العالم أجمع كل التنازلات الممكنة، من أجل إنهاء تلك الحرب، وأفسحت المجال أمام إنجاح الوساطة السعودية العمانية وتعاطت بإيجابية مع كل المبادرات المطروحة، التي يوافق عليها الحوثي ويعود في كل مرة للانقلاب عليها.
ولعل ما يميز خطاب الزنداني ويكسبه الكثير من الأهمية والقيمة، هو وضوح المعنى لمضمون الخطاب لرئيس الوزراء شائع الزنداني، بما عرف عنه من جدية وما يمتلكه من حضور واسع في الساحة المحلية والخارجية، ورصيد حافل من الإنجاز والنجاح في المهام التي شغلها داخل الدولة، حيث قضى سنوات طويلة في سلك العمل الدبلوماسي، فاتحًا الأبواب المغلقة أمام اليمن للمضي نحو آفاق رحبة، وبناء علاقات مميزة تقوم على الصداقة وتعزيز الشراكة والاحترام المتبادل في كل الدول التي شغل فيها سفيرًا، وكان آخرها في المملكة العربية السعودية بكل ما تحمله العلاقة بين البلدين من عاطفة ومصير مشترك واحد، وتطابق في الرؤى والمواقف والتنسيق المشترك بين البلدين، والعمل معًا في مواجهة المخاطر والتحديات، وما يمكن أن يعكسه ذلك من رسائل قدمت موقفًا موحدًا للحكومة الشرعية مع قيادة التحالف بقيادة السعودية، التي أكد خطابه على تقدير اليمنيين لمواقف المملكة وقيادتها في دعم اليمن في شتى المجالات، ومنع انهيار الدولة وتمكينها من القيام بواجباتها تجاه الشعب اليمني، وحرصها على إحلال السلام في اليمن، وبالتالي على تأكيد موقف اليمن الرسمي من التهديدات التي تطلقها الميليشيات الحوثية باستهداف الأراضي السعودية، البلد الذي يستضيف اليمنيين ويواصل تقديم الدعم، في وقت تسببت هذه الميليشيات بالكوارث على الشعب اليمني واستهدفت موانئ تصدير النفط وتسببت في معاناة عموم اليمنيين.
وتزداد قيمة الخطاب الذي أطلقه الزنداني انطلاقًا مما عرف عنه في مختلف المحطات من التزامه الصارم بقيم الدولة، وأدائه الناجح في السلك الدبلوماسي في تمثيل اليمن وتبني مواقفها المعبرة عن اليمن كبلد يعمل وفقًا لامتداده العربي والإسلامي، يحافظ على قيم السلم والمصالح المشتركة بين الدول والشعوب والأمم، ويرعى العهود والمواثيق، ويحترم الاتفاقات الدولية. كل ذلك وغيره تجعل كل ما يصدر عن شائع الزنداني محل اهتمام ليس على المستوى المحلي فحسب، بل والخارجي، لرجل نجح في إدارة الملف الخارجي، ويبدو عليه الإصرار على إحراز الانتصار في الملف المحلي، لرجل رافق مسيرته النجاح في جميع المحطات قبل أن يشغل رئاسة الحكومة، والإبقاء على حقيبة الخارجية ليس من منطلق العرف السائد المعمول به في الكثير من الدول، ولكن للحفاظ على النجاح المحقق في الدبلوماسية الخارجية، بما مثله من واجهة جيدة للعمل الدبلوماسي، ومراكمة رصيد الحفاظ على صورة اليمن المشرقة التي عكسها أداؤه، وما بناه من علاقات متميزة مع الدول، وأدائه الملتزم الذي أكسبه الثقة لدى الشركاء، ومكنه من القدرة على تجسيد مصالح اليمن الداخلية والخارجية انطلاقًا من تلك المبادئ الأساسية التي تضع مصالح اليمن وسيادتها في المقدمة ضمن نطاقه العربي الإسلامي والجوار الجغرافي، ورفض المشاريع الدخيلة والمشبوهة التي تستهدف أمن المنطقة، وهو ما ساهم في قوة أداء الخارجية لجذب الاهتمام نحو الداخل، وأعطى للخارجية اليمنية دورًا فاعلًا، ويعزز من ذلك الإبقاء على إدارة الخارجية من قبل رئيس الوزراء المدرك لاحتياجات وأولويات الداخل من مشاريع وتنمية، وبما يعطي للتحرك الخارجي أكثر فاعلية في استثمار العلاقات الدولية بناءً على رصيد الثقة التي تعززت، ويجسدها رئيس الحكومة الحالي في تمثيل قيم الدولة في الحضور الخارجي، والقدرة على استقطاب الدعم من قبل الشركاء الدوليين والمانحين نحو الداخل، بما تعزز لديهم من ثقة أكثر بالحكومة التي يرأسها شخص عرفته المحافل الدولية بقدرته على صناعة علاقات دولية متميزة وبناء شراكات حقيقية، وساهمت بدرجة كبيرة على تعزيز مكانة اليمن الخارجية وتجسيد موقف الدولة الشرعي في الأوساط والمحافل الدولية، بالمقابل تعزيز روح الأخوة مع الأشقاء في الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي عمل فيها لسنوات سفيرًا لليمن.
وعلى وقع الخطاب الذي قدمه رئيس الحكومة للمواطنين في مناطق سيطرة الحوثي، نجحت الشرعية في توصيل الرسائل المباشرة للمواطن المتلقي باللغة الواضحة والسهلة التي يفهمها من واقع الحقائق المريرة التي يعيشها، وهو ما عجزت عنه الحكومات السابقة، التي لم تكن قريبة من الشارع كما هي الآن، وقد جعل منها بذلك القرب، حجم ودور رئيس الحكومة الحالي الدكتور شائع الزنداني ومستوى تأثيره في المشهد اليمني والمكانة التي يحظى بها في الشارع اليمني، انطلاقًا مما أشرنا إليه بما يمتلكه من سيرة طويلة من الخبرة والكفاءة والنزاهة والإخلاص التي عرف بها، باعتباره مهندس الدبلوماسية اليمنية الذي قضى سنوات طويلة في العمل الدبلوماسي ممثلًا لليمن في الدول والمحافل الدولية دون أن يفقد ارتباطه بالداخل اليمني أو يتأثر حضوره على الصعيد المحلي، وزاد في ذلك اقترابه الصادق من أحاسيس ومشاعر المواطنين، وإلمامه بتفاصيل الحياة اليومية كواحد من الناس، يمكن قراءة ذلك من ملامح وجهه الهادئة ورزانة عقله وقدرته على الإنصات والاستماع، والتحلي بالصفات التي ينبغي أن يكون عليها رجل الدولة من حكمة، وقدرة على تشخيص المشكلات، وابتكار الحلول، وكلها جعلت منه محل إجماع وثقة الجميع.
ناهيك عن كونه رجل الدولة المتميز بالكفاءة، وأستاذ الفلسفة والقانون، بما يمكن أن يضيفه هذا المزيج من فهم عميق لمزاج الشارع، وقدرة على تقديم فلسفة خطاب الدولة لكل ما يريد أن يسمعه المواطن ويطمئن له الشارع، كل ذلك أعطى لخطابه المميز القيمة الكبيرة والتداول الواسع والكثير من القوة في تشخيص مشكلات اليمن، ومخاطبة رجل الشارع بلغة بسيطة يسهل فهمها بكل سهولة من قبل الشارع المتلقي بشكل مباشر للخطاب من وسط المعاناة التي بدا ملمًا بكل تفاصيلها.