آخر تحديث :الثلاثاء-11 أغسطس 2026-03:53م

سيكولوجية الأمن الاستخباراتي المالي.. الأمن المالي في حاضر الحرب والسلم

الجمعة - 10 يوليو 2026 - الساعة 07:55 م
محمد عثمان الابجر



لاحظوا معنا عندما تندلع الحروب تتجه الأنظار عادة إلى تحركات الجيوش وإقلاع الطائرات وإبحار القطع البحرية وخطوط التماس الميدانية لكن غرف الاستخبارات الحديثة تراقب مسارا آخر لا يقل أهمية بل قد يسبق كل تلك التحركات وهو حركة الأموال


ومن ذلك المدخل الستراتيجي علينا أن ندرك اليوم انه لم تعد القوة العسكرية تتحرك بمعزل عن القوة المالية ولذلك فقبل أن تمول العمليات وقبل أن تتحرك سلاسل الإمداد وقبل أن تتغير موازين النفوذ تكون الأموال قد بدأت رحلتها وتكون الشبكات الاقتصادية قد أعادت ترتيب مواقعها استعدادا لمرحلة جديدة


لهذا لم يعد الأمن المالي ملفاً مصرفيا أو اقتصاديا فحسب بل أصبح أحد أهم مكونات الأمن القومي وجزءا من منظومة الإنذار المبكر التي تعتمد عليها الدول في قراءة المخاطر قبل تحولها إلى أزمات


المال... مؤشر استخباراتي قبل أن يكون رقما محاسبيا

في الماضي كانت أجهزة الاستخبارات تعتمد بصورة رئيسية على المصادر البشرية والاتصالات والاستطلاع العسكري

أما اليوم فقد أضيفت إليها طبقة جديدة من المعلومات تتمثل في الاستخبارات المالية

فحركة الأموال لا تعكس النشاط الاقتصادي فقط بل قد تكشف تغيرات في أنماط السلوك وتبدلات في مراكز النفوذ وظهور شبكات جديدةأو إعادة تموضع شبكات قائمة


ولا اعن بذلك أن كل حركة مالية غير معتادة تمثل نشاطا غير مشروع لكن التحليل الاستخباراتي ينطلق من مبدأ مختلف إذ يتعامل مع المال بوصفه مؤشرا يحتاج إلى الربط مع مؤشرات أخرى لا بوصفه دليلا قائما بذاته

فالمؤشر يفتح باب التحليل أما الدليل فهو ما يبنى عليه القرار


ومن هذا المدخل الهام يمكننا ان نشير الى وقعنااليمني يمثل مناخات او بيئة معقدة للأمن المالي

بسبب تراكم عوامل داخلية وإقليمية منها

تعدد مراكز السلطة والإدارة

الانقسام في المؤسسات الاقتصادية

اتساع الاقتصاد النقدي

الدور الكبير لشركات الصرافة والتحويلات

ارتباط الاقتصاد المحلي بالتحويلات الخارجية

الموقع الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وباب المندب

هذه العوامل لا تعني وجود مخالفات في كل نشاط اقتصادي لكنها تجعل البيئة أكثر حساسية وتفرض على مؤسسات الدولة تطوير أدوات متقدمة لفهم حركة الأموال وتحليلها ضمن إطار قانوني ومؤسسي


كيف يقرأ المحلل الاستخباراتي حركة الأموال؟

المحلل المهني لا يبدأ بالسؤال

من ارتكب المخالفة؟

بل يبدأ بسؤال أكثر أهمية

هل تغير النمط المعتاد؟

ومن هنا يبدأ برصد مجموعة من المؤشرات مثل

تغيرات مفاجئة في حجم السيولة

انتقال النشاط المالي بين مناطق مختلفة

ظهور شركات أو هياكل اقتصادية جديدة خلال فترات حساسة

تغير أنماط التحويلات المحلية أو الخارجية

تزامن التحركات المالية مع أحداث سياسية أو أمنية

ولا تقرأ هذه المؤشرات منفصلة بل تدمج مع معلومات أخرى قادمة من مصادر اقتصادية وسياسية وإعلامية وأمنية لإنتاج تقدير موقف أكثر دقة


والى ذلك نرى شخصيا ان التحليل الاستخباراتي لا يطارد الأموال بل يطارد الأنماط التي تحكم حركة الأموال

الأمن المالي والأمن القومي


في الدول المستقرة ينظر إلى البنك المركزي بوصفه الجهة المسؤولة عن السياسة النقدية والاستقرار المالي على عكس وقعنا اليوم الذي يواجه تحديات أمنية معقدة وهذا يتطلب مننا ان نجعل من الأمن المالي جزءا من منظومة الأمن القومي لأن أي اضطراب مالي واسع قد ينعكس على الاستقرار السياسي والاجتماعي


ومن هنا نرى أهمية ايجاد التكامل بين

البنك المركزي

ووحدة المعلومات المالية

الجهات الرقابية

الجمارك والضرائب

الأجهزة الأمنية المختصة

السلطة القضائية

ليس بهدف تقييد النشاط الاقتصادي وإنما لحماية النظام المالي من الاختراق وتعزيز الشفافية وضمان أن يبقى المال أداة لبناء الاقتصاد لا وسيلة للتأثير في سيادة الدولة


اليمن والجغرافيا المالية للصراع

لا يمكن فصل الأمن المالي اليمني عن البيئة الإقليمية المحيطة به


وحيث ان جغرافية وطننا تقع على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم ويتصل مباشرة بأمن البحر الأحمر، وباب المندب وسلاسل التجارة الدولية وأمن الطاقة


وفي مثل مناخات واقعنا السياسي المعقد فان حركة الأموال والاستثمارات والخدمات اللوجستية والتحويلات تعتبر جزءا من المشهد الجيوسياسيلأن الموقع الجغرافي يمنح الاقتصاد بعدا استراتيجيا يتجاوز حدوده الوطنية


ولهذا فإن قراءة الأمن اليمني لم تعد تقتصر على متابعة الجبهات العسكرية بل تشمل أيضا قراءة حركة الأسواق والتدفقات المالية والبنية الاقتصادية باعتبارها عناصر مؤثرة في توازنات القوة


نحو منظومة وطنية للاستخبارات المالية

التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع البيانات بل في تحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام

وهذا يتطلب بناء منظومة وطنية قادرة على دمج المؤشرات المالية والاقتصادية مع المؤشرات الأمنية والسياسية بحيث تنتج تقديرات موقف تساعد صانع القرار على استباق المخاطر لا الاكتفاء برد الفعل بعد وقوعها


فالهدف من الاستخبارات المالية ليس البحث عن الاتهاماتبل فهم البيئة واكتشاف المخاطر وتعزيز قدرة الدولة على حماية اقتصادها ومؤسساتها وسيادتها


والى ذلك السياق يمكننا ايجاز انه في القرن الماضي كانت الدول تقيس قوتها بعدد الجنود والدبابات والطائرات

أما اليومفإن جزءا متزايدا من هذه القوة يقاس أيضا بقدرتها على فهم حركة الأموال وربطها بالمعلومات وتحويلها إلى معرفة استراتيجية

وقد لا تكون أول إشارة إلى أزمة قادمة صوت انفجار أو تحرك عسكري بل حركة مالية بدت للوهلة الأولى اعتياديةلكنها كانت تحمل في طياتها بداية تحول استراتيجي لم تكن آثاره قد ظهرت بعد

وفي عالم تتقاطع فيه الجغرافيا مع الاقتصاد والتكنولوجيا مع الأمن لم يعد السؤال الاستخباراتي الأول هو

ماذا حدث؟

بل أصبح

من قرأ المؤشرات المالية قبل أن تتحول إلى حدث؟

تقديرنا للجميع وجمعتكم طيبة

عميد/ محمد عثمان الابجر

نسخة مع التقدير: لمعالي رئيس الحكومة دكتور شائع محسن الزنداني