تَعْتَرِي عَبَرَاتِ قَلَمِي المُنْهَكِ كُلَّ أَدَبِي، وَيَمْلأُ بِالسُّطُورِ أَحْرُفَ الدَّمْعِ لِتَبُوحَ بِكُلِّ آهَاتِي، وَأَحْلَامُ الصِّبَا تَعْزِفُ النَّايَ لِتَبْكِيَ وَتَنْكُثَ العَهْدَ الغَلِيظَ يَا وَطَنِي! بِعَتَاوَةِ الظُّلْمِ وَالتَّجَنِّي، وَتَحْنَثَ بِاليَمِينِ المُغَلَّظَةِ فِي مُصْحَفِكَ يَا وَطَنُ.
أَدَبِي صَارَ جَرِيمَةً، وَوَطَنِي غَدَا غَنِيمَةً، وَمِنَ الكَبَائِرِ السَّبْعِ إِرَادَتِي وَالعَزِيمَةُ!
وَطَنِي.. هَلَّا أَعْذَرْتَنِي إِنْ لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا وَأَرْمِ لَكَ طَوْقَ النَّجَاةِ؟ فَعَبَثًا وَإِنْ رَمَيْتُ، فَأَيَادِي الغَدْرِ عَلَى هَلَاكِكَ أَقَامَتِ العَزَائِمَ وَالوَلِيمَةَ.
ضَعِيفًا أَنَا، لَا جَاهَ، وَلَا وَلَدَ، وَلَا عَشِيرَةَ تُمَكِّنُنِي مِنْ حَقِّ الدِّفَاعِ عَنْكَ، وَلَا أَمْلِكُ إِلَّا قَلَمًا يَبْكِي عَلَى السُّطُورِ دُونَ جَدْوَى وَقِيمَةٍ.
كَتَبْتُ مَا لَمْ يَكْتُبْهُ السَّحَرَةُ وَالرُّهْبَانُ، وَنَقَشْتُ عَلَى اللَّآلِئِ وَالمَرْجَانِ، وَتَوَسَّلْتُ لِمُلُوكِ الجَانِّ بِثَمَنٍ بَخْسٍ أَحْرُفِي الثَّمِينَةَ، وَآهٍ.. وَأَلْفُ آهٍ! لَقَدْ قَبَّلْتُ يَدَيِ السُّلْطَانِ، وَأَقَامَ عَلَيَّ صَحِيفَةَ الجَرِيمَةِ!
أَبِي.. لَا تَلُمْنِي، فَهَدَفُكَ وَمَا كُنْتَ تَرْجُوهُ لَنْ يَكُونَ، وَقَوَانِينُ أَثْقَلَتْ عَاتِقِيَّ، وَنَفَقَاتُ بَيْعِكَ الشَّايَ وَالأَيْسْكِرِيمَ أَدْمَتْ مُقْلَتِيَّ، وَأَصْبَحْتُ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ كَرَمَادٍ طَارَ فِي عَيْنَيْكَ وَأَدْمَى مُقْلَتِيَّ.
أَبَتَاهُ.. فَقَدِ احْتَشَدَ الطُّغَاةُ، وَأَمَّ بِنَا مَنْ لَمْ يَعْلَمِ الصَّلَاةَ! فَهَذَا هُبَلُ صَارَ مَعْبُودًا، وَتُقَدَّمُ لَهُ القَرَابِينُ لِيَأْخُذُوا مِنْكَ كُلَّ أَحْلَامِكَ بِحُجَّةِ حُكْمِ الإِلَهِ!
أَبَتَاهُ.. كُلُّ مُعَانَاتِكَ تَهُونُ، إِلَّا أَثَرَ فِنْجَانِ الشَّايِ عَلَى كُتُبِي حِينَ كُنْتُ أُعِينُكَ بِبَيْعِهِ لِتَحْقِيقِ حُلْمِكَ؛ كُلَّمَا أَبْصَرْتُهُ أَذْرَفَتْ عَيْنَايَ دَمْعًا، وَصَارَ أُضْحُوكَةً لِطُغَاةٍ سَارِقِينَ لِحُلْمِكَ، وَحُلْمِي، وَحُلْمِكَ يَا وَطَنَ البُغَاةِ !