في مشهدٍ غير مألوف في أعراف الدبلوماسية، اختار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يودّع المشاركين في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بهدية أثارت كثيرًا من الجدل ( مسدسات تركية فاخرة منقوشة بأسماء أصحابها ) قُدمت إلى عدد من قادة وممثلي الدول وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
قد يراها البعض مجرد هدية بروتوكولية للتعريف بالصناعة الدفاعية التركية، وقد يقرأها آخرون باعتبارها رسالةً سياسية تتناسب مع طبيعة قمة يناقش فيها قادة العالم ملفات الأمن والدفاع.
غير أن رمزية الهدية في هذا التوقيت المضطرب.....
تتجاوز قيمتها المادية، لتبدو وكأنها عنوانٌ لمرحلة دولية جديدة، يتراجع فيها بريق الدبلوماسية التقليدية، وتتقدم فيها لغة الردع على لغة الحوار.
لم تعد الهدايا الرسمية اليوم مجرد تذكارات تحفظ في خزائن القصور، بل أصبحت رسائل سياسية مكثفة ....
تختصر في رمز واحد ما تعجز عنه الخطب الطويلة.
وعندما يكون الرمز ( مسدسًا ) ...فإن السؤال لا يكون عن ثمن الهدية، بل عن معناها.
لقد انتهى ذلك الزمن الذي كانت فيه الأمم تتباهى بما تنتجه من الكتب، أو بما تشيده من الجامعات، أو بما تحققه من إنجازات حضارية.
أما اليوم فقد عادت القوة لتحتل صدارة المشهد، حتى أصبح السلاح هو اللغة المشتركة التي يفهمها الجميع، وإن اختلفت الشعارات المعلنة.
من أوكرانيا إلى غزة، ومن بحر الصين الجنوبي إلى مضيق تايوان، ومن سباقات التسلح في أوروبا إلى التحالفات العسكرية الجديدة في آسيا..... تبدو البشرية وكأنها تعيد إنتاج القرن الماضي، ولكن بأسلحة أكثر ذكاءً، وحروب أكثر تعقيدًا، وخطابات أكثر نعومة.
والمفارقة المؤلمة أن القوى الكبرى لا تكف عن الحديث عن السلام، بينما مصانع السلاح تعمل بأقصى طاقتها، وترتفع موازنات الدفاع عامًا بعد عام، حتى أصبح الاقتصاد العالمي يجد في الحروب سوقًا، وفي الأزمات فرصة، وفي الخوف صناعةً تدر المليارات.
إن المسدس الذي خرج من أنقرة هديةً، قد يكون في ظاهره تذكارًا بروتوكوليًا، لكنه في نظر كثيرين يختزل حقيقة هذا العصر.....
عصرٌ لا يكفي فيه أن تكون على حق، بل ينبغي أن تكون قادرًا على حماية حقك...
عصرٌ لا تُقاس فيه الدول بما تمتلكه من المبادئ وحدها، بل بما تملكه من وسائل القوة والردع.
غير أن التاريخ يهمس بحقيقة لا ينبغي أن تغيب عن أحد؛ فالقوة التي لا يضبطها العدل قد تمنح صاحبها نصرًا مؤقتًا، لكنها لا تمنحه الخلود.
وما أكثر الإمبراطوريات التي ظنت أن الحديد يصنع المجد، فإذا بها تنهار من داخلها قبل أن يهزمها أعداؤها.
ولذلك فإن أخطر ما تكشفه هذه الهدية ليس نوعها، وإنما السياق الذي جاءت فيه.
إنها تعكس عالمًا تتراجع فيه الثقة، وتتسع فيه هوة الصراع، وتزداد فيه القناعة بأن الردع هو اللغة الأكثر حضورًا على طاولات السياسة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على ضمير الإنسانية: هل نحن أمام عالم يستعد لحماية السلام بالقوة، أم أمام عالم بدأ يتكيف مع فكرة أن القوة أصبحت هي البديل عن السلام؟
إن الأيام كفيلة بالإجابة، لكن سنن التاريخ لا تتغير، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، فالقوة تتبدل، والإمبراطوريات تتعاقب، أما العدل فهو وحده الذي يبقى أساس الأمن الحقيقي، وهو وحده القادر على أن يمنح البشرية سلامًا لا تصنعه البنادق.