أصبح من المحتم اليوم أن تتجه بلادنا نحو تمكين الشباب من قيادة الدولة، باعتبار ذلك ضرورة وطنية تفرضها وتؤكدها الوقائع، وتستدعيها تحديات المستقبل.
وعندما أتحدث عن قيادة البلاد، فإنني أعني مواقع صناعة القرار وإدارة المفاصل الأساسية للدولة، حيث تُرسم السياسات وتُصنع الخيارات وتُدار المؤسسات التي يتوقف عليها مستقبل الوطن.
إن بلادنا تمتلك مخزوناً بشرياً هائلاً من الشباب المؤهل، داخل الوطن وخارجه. والمتابع لما يحققه الشباب يدرك أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الكفاءة، وإنما في غياب الفرصة، وفي استمرار احتكار مواقع القرار من قبل نخبة استنفدت أدواتها وأخفقت في تجديد رؤيتها.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الارتهان للعقليات المتقادمة أوصل البلاد إلى هذا الواقع المأساوي الذي نعيشه اليوم. وظل القرار الوطني أسيراً لمعادلات النفوذ التقليدية، ولحسابات قبلية وعسكرية وحزبية ضيقة، قدمت مصالحها على مصلحة الوطن.
ولم تكن الفرص التاريخية التي أتيحت لبلادنا قليلة. فقد جاءت الوحدة اليمنية باعتبارها مشروعاً وطنياً كبيراً، ذهب إليها شعب الجنوب بقناعة صادقة وإرادة حقيقية لبناء مستقبل مشترك، غير أن قوى النفوذ التقليدية بالشمال تعاملت معها باعتبارها غنيمة، فانقلبت على أهدافها، وأفرغتها من مضمونها، وقادت البلاد إلى صراعات متلاحقة. ثم جاءت محطة مؤتمر الحوار الوطني، التي مثلت فرصة أخرى لوضع أسس جديدة للدوله ومعالجة جذور الأزمات، إلا أن المخرجات هي الأخرى جرى الالتفاف عليها وإفراغها من محتواها بفعل العقلية ذاتها التي لم تستوعب متغيرات العصر، ولا تؤمن بالشراكة، ولا تقبل بالتغيير.
وبعيداً عن جلد الذات أو تبادل الاتهامات، فإن من الشجاعة أن نعترف بالحقيقة وهي ان الجيل (وأنا انتمي اليه) الذي تولى إدارة الشأن العام لعقود لم ينجح في بناء الدولة التي حلم بها المواطنون، ولم يحقق الاستقرار والتنمية اللذين استحقهما شعبنا. ولذلك فإن استمراره في التمسك بكراسي القيادة، وإعادة إنتاج الأدوات ذاتها التي قادت إلى الإخفاقات والازمات المتتاليه، لن يصنع مستقبلاً مختلفاً.
إن العالم من حولنا يتغير بوتيرة غير مسبوقة. فالاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والثورة الصناعية الرابعة، والتحولات الجيوسياسية، جميعها تفرض أنماطاً جديدة من القيادة والإدارة، تعتمد على المعرفة والابتكار وسرعة اتخاذ القرار، أكثر مما تعتمد على الإرث السياسي أو النفوذ التقليدي.
إن مستقبل البلاد لن يصنعه الصراع بين الأجيال، وإنما الشراكة بينها؛ شباب يمتلكون الحماس والمعرفة والقدرة على مواكبة العصر، وعقلاء يمتلكون الحكمة والخبرة والتجربة. غير أن القيادة التنفيذية وصناعة المستقبل يجب أن تنتقل تدريجياً إلى جيل الشباب، فهم الأقدر على فهم عالمهم، والتعامل مع تحدياته، وصياغة أدواته.
لقد آن الأوان لأن نغادر عقلية الوصاية، ونؤمن بأن الوطن لا يبنى بالأسماء، وإنما بالكفاءات. وأن معيار القيادة يجب أن يكون القدرة على الإنجاز، لا العمر، ولا الانتماء، ولا النفوذ.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على تغيير الأشخاص فحسب، بل على تغيير الثقافة السياسية التي حكمتنا لعقود، وإفساح المجال أمام جيل جديد يحمل رؤية جديدة، ويؤمن بالدولة، ويجيد لغة العصر، ويملك الشجاعة ليقود بلادنا نحو مستقبل يستحقه شعبها.
*شكيب حبيشي*