آخر تحديث :الأربعاء-29 يوليو 2026-12:13ص

قمة الأطلسي في أنقرة: بين مستقبل تركيا واستراتيجية الردع الغربي

الجمعة - 10 يوليو 2026 - الساعة 02:39 م
د. جمال الهاشمي


​لم يكن غريبا أن تفتتح القمة الأخيرة لحلف شمال الأطلسي أعمالها بالتركيز المطلق على إعادة إحياء وترسيخ المادة الخامسة المتعلقة بمبدأ الدفاع المشترك كرسالة سياسية حازمة ومباشرة للداخل والخارج معا.

هذا التأكيد الصارم يأتي بعد سنوات عاصفة عاشها الحلف متناقضا مع مصالحه القومية التي بات يسيرها الفكر اليمني وقد تجلت في رغبة معلنة وصريحة من الرئيس دونالد ترمب للخروج من الحلف والتخلي عن التزامات واشنطن الدفاعية تجاه أوروبا متخذا من القارة الأمريكية مجالا لتأسيس الأمن القومي واصفا حلف الناتو في محطات كثيرة بأنه حلف لم يعد له أهمية كما كان سابقا .

إلا أن التحول الدراماتيكي في الموقف الأمريكي والعودة لتبني الناتو كركيزة أساسية للأمن القومي الأمريكي لم يكن تراجعا عما استقر لديه سابقا وإنما نتيجة لإعادة تموضع استراتيجي فرضته جملة من الدواعي والأسباب الداخلية والخارجية والنفعية المركبة التي أعادت صياغة الأولويات في واشنطن.

​تمثلت الدواعي والأسباب الداخلية في رغبة واشنطن العميقة في تخفيف كلفة الفاتورة العسكرية عن كاهل دافع الضرائب الأمريكي والميزانية الفيدرالية المثقلة بالديون؛ حيث أدركت المؤسسة العسكرية ومراكز صنع القرار أن الاستمرار في لعب دور شرطي العالم المنفرد بات يهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي الداخلي فكان لا بد من إحياء الناتو لإجبار الحلفاء على تقاسم الأعباء اللوجستية والمالية.

أما الدواعي والأسباب الخارجية فقد فرضتها بيئة أمنية عالمية شديدة العدائية تميزت بانفجار جبهات صراع متزامنة؛ إذ تدرك واشنطن أن التهديد الوجودي الحقيقي لهيمنتها الأحادية يكمن في الصعود العسكري والاقتصادي للصين في حوض المحيطين الهندي والهادئ وهو ما يتطلب تفرغا أمريكيا شبه كامل لهذه الجبهة مستعينة بالناتو كأداة لمناولة وإسناد المهام وبذلك يوكل للأوروبيين احتواء روسيا وتأمين جوارهم بينما تتفرغ أمريكا للشرق الأقصى وهنا تتجلى النفعية أو البرجماتية بعيدا عن المبادئ التي شكلت النموذج الغربي بعد الحرب العالمية الثانية.

وتنضم إلى ذلك الدواعي والأسباب النفعية المتبادلة من زوايا أخرى حيث يوفر الحلف للولايات المتحدة سوقا احتكاريا ضخما لتصريف مبيعات السلاح الأمريكية من الجيلين الخامس والسادس وضمان دمج المنظومات الدفاعية للحلفاء تكنولوجيا مع واشنطن مما يمنحها سلطة التحكم في قرار السلم والحرب فضلا عن تأمين خطوط الملاحة الدولية وممرات الطاقة التي يمر عبرها النفط والغاز إلى شركاء أمريكا مما يحمي الاقتصاد العالمي من صدمات الأسعار.

​إن هذه الدواعي المشتركة التقت عند جملة من التهديدات المتصاعدة التي قاربت بين الرؤى المختلفة لدول الناتو وأجبرتها على التكتل مجددا تحت مظلة الردع الجماعي.

وتأتي في مقدمة هذه التهديدات حروب الاستنزاف التي تقودها أطراف كإيران وروسيا عبر توظيف شبكات المسيرات الانتحارية والهجمات السيبرانية وقرصنة الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز والاشتراك في خنق طاقة البحر الأسود وهي تهديدات لا يمكن لدولة بمفردها مجابهتها بالوسائل التقليدية مما يتطلب شبكة دفاعية استخباراتية وجوية متكاملة مبنية على الذكاء الاصطناعي .

و​وسط هذه الأجواء حمل انعقاد القمة في العاصمة التركية أنقرة بدلا من واشنطن أو العواصم الأوروبية التقليدية كبروكسل أو باريس دلالات جيوسياسية بالغة الحساسية؛ فالحلف أراد توجيه رسالة اعتراف وتطمين لتركيا التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو والمتحكمة بمضيق البوسفور وبوابة العبور نحو البحر الأسود والشرق الأوسط في وقت يحتاج فيه الحلفاء لثقل أنقرة العسكري ليكون خط الدفاع الأول في الجناح الجنوبي والشرقي لمواجهة التمدد الروسي والاضطرابات في الشرق الأوسط.

كما أن اختيار أنقرة يعكس رغبة أمريكية وأوروبية في قطع الطريق أمام أي تقارب استراتيجي تركي-روسي أو تركي-إيراني ومكافأة أنقرة على دورها المتنامي كقوة صناعية دفاعية باتت تزود الحلف بأحدث تقنيات الطيران المسير والأنظمة البحرية مما يثبت أن المصالح الأمنية الراهنة قادرة على صهر الخلافات السياسية وتثبيت معادلة أمنية جديدة يمتد فيها مفهوم الدفاع المشترك من غابات شرق أوروبا إلى مياه الخليج العربي وشواطئ تايوان.

و​في اللحظة التي تفتح فيها أبواب الناتو لترسيخ مفهوم الأطلسي العالمي تتحول تركيا في الحسابات الغربية من عضو على الهامش الجنوبي للحلف إلى رأس حربة استراتيجية لمواجهة محاور الشرق لا سيما وأن تركيا قادرة على دمج سوريا ضمن مشروعها في مواجهة التواجد الإيراني في العراق ولبنان إلا أن المطامع الإسرائيلية تحول دونها لا سيما مع استمرار توسعها في غزة والضفة ولبنان وسوريا .

إن تفعيل هذا الدور يتطلب من واشنطن وبروكسل ممارسة سياسة مزدوجة تقوم على الاستغلال العملياتي الفائق مقابل التطمين المؤقت وهي سياسة تسبح فوق حقل من الألغام والتناقضات نتيجة التعارض بين المصالح التركية الذاتية والملفات الإقليمية بدءا من الصدام مع الاستراتيجية الإسرائيلية و مرورا بالنزاع المزمن مع اليونان حول قبرص و وصولا إلى التوترات التاريخية والجغرافية مع أرمينيا.

في هذا المشهد المعقد يعتمد الناتو في استغلاله لأنقرة على مزاياها الجيوسياسية الفريدة إذ يستغل سيطرتها المطلقة على مضيقي البوسفور والدردنيل بموجب اتفاقية مونترو لخنق البحرية الروسية فضلا عن كونها العمق البري الوحيد للحلف الملاصق لإيران والعراق وسوريا مما يجعلها منطقة تحشيد ومراقبة لا غنى عنها.

ولتطمين تركيا ودفعها للانخراط في هذه الخطط الخطرة تقدم واشنطن وعودا بتسهيل صفقات التسليح الكبرى كإعادة دمجها في برنامج مقاتلات الجيل الخامس وتحديث أسراب طائراتها الحالية ورفع القيود الأوروبية عن تصدير تكنولوجيا الدفاع مما يغذي طموح أنقرة في التحول إلى مركز تصنيع عسكري مستقل بينما يمارس الحلف ضغوطا خلف الكواليس لفرض تهدئة مؤقتة وصياغة بروتوكولات تنسيق رمادية في ملف قبرص واليونان تركز على الإدارة المشتركة لأمن الطاقة في شرق المتوسط دون المساس بالسيادة السياسية مع استغلال الرغبة التركية في فتح الممرات التجارية كممر زانغيزور لتطمينها بأن إضعاف النفوذ الروسي في القوقاز يصب في مصلحة تمددها نحو آسيا الوسطى.

وفي المقابل يعزل الحلف ملف الصدام التركي مع إسرائيل دبلوماسيا عبر الإبقاء على التنسيق العسكري والاستخباراتي بين أنقرة وواشنطن منفصلا، مستغلا حاجة تركيا للاستقرار الاقتصادي لضمان عدم انزلاقها إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع تل أبيب مما قد تفجر المنطقة برمتها.

​بيد أن القراءة الاستشرافية لعام 2035 وما بعده تكشف أن هذا الانخراط التركي جغرافيته الجيواستراتيجية وخط الدفاع الأول للحلف يحمل في طياته بذور استنزاف وإضعاف ممنهج للدولة التركية بدلا من تقويتها؛ ففي حال اندلاع مواجهة شاملة بين الناتو والمحور الشرقي ستكون الأراضي التركية هي المسرح الرئيس لتلقي الضربات الانتقامية الأولى حيث ستتحول القواعد العسكرية الحيوية وقواعد الرادار التابعة للدرع الصاروخي للناتو إلى أهداف مباشرة للصواريخ الباليستية الروسية والإيرانية مما يعني أن أنقرة ستدفع كلفة بشرية واقتصادية هائلة لحماية العمق الأوروبي والأمريكي وهو ما سينعكس فورا على استقرارها الاقتصادي الهش عبر توقف سلاسل الإمداد وتدفق موجات جديدة غير مسبوقة من اللاجئين.

هذا الاستنزاف يقودنا إلى معرفة مدى إمكانية انتقال الصدام الإسرائيلي المباشر إلى تركيا بعد تحييد أو تدمير إيران؛ إذ ترى العقيدة الاستراتيجية الصهيونية أن إيران تهدد وجودها حاليا عبر أذرعها بينما تمثل تركيا المهدد الاستراتيجي البديل على المدى الأبعد، فإذا نجحت إسرائيل والدعم الغربي في تفكيك الخطر الإيراني فإن الفراغ الجيوسياسي في الشرق الأوسط سيمتصه حتما التمدد التركي المدعوم بإرث تاريخي ومقومات دولة حقيقية وهو ما تراه إسرائيل الخطر الوجودي القادم الذي يجب كبحه فورا.

وهنا يبرز السيناريو الأكثر خبثا حيث قد يرتد الغرب وإسرائيل على أنقرة بعد استغلالها لإنهاء الخطر الإيراني عبر توظيف ورقة الانفصال الكردي ودعم جيوب مسلحة على حدودها الجنوبية لتفكيك جغرافيتها ودعم المعارضة الداخلية لا سيما بعد ما قد تفرزه نتائج ااحرب للدفاع عن المصالح الامريكية والعمق الغربي وفي ظل هذه المواجهة المستقبلية ستجد واشنطن نفسها مجبرة على الانحياز المطلق لأمن إسرائيل على حساب حليفتها في الناتو مما يضع أنقرة أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما الخضوع الكامل للمنظومة الغربية وإلغاء طموحاتها الإقليمية، أو مواجهة مصير التفكيك والاستنزاف على جبهات متعددة خارج حدودها وداخلها.