آخر تحديث :الجمعة-10 يوليو 2026-09:07م

هل يستدعي الظلم تجديد حلف الفضول؟

الجمعة - 10 يوليو 2026 - الساعة 11:43 ص
د. أحمد بن اسحاق


في يوم من أيام مكة قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، دخلها رجل غريب يحمل بضاعة جاء يبيعها، طامعا في تجارةٍ شريفة يعود منها إلى أهله. لم يكن من أهل مكة، ولم تكن له فيها قبيلة تحميه أو عشيرة تدافع عنه.

اشترى أحد كبار قريش بضاعته، لكنه امتنع عن دفع ثمنها، مستندا إلى جاهه ومكانته، واثقا أن الغريب لن يجد من ينتصر له.


لم يستسلم الرجل. طاف على بطون قريش يلتمس العدل، لكن الجميع ترددوا في الوقوف أمام صاحب النفوذ. وعندما أُغلقت في وجهه الأبواب، وقف عند الكعبة، في أقدس بقعة عند العرب، ورفع صوته مستغيثا، يصف ما وقع عليه من ظلم، ويستنهض نخوة أصحاب المروءة.


لم تكن تلك الصرخة مجرد شكوى عابرة، بل كانت الشرارة التي أيقظت الضمير. فقد اجتمع عدد من أشراف قريش في دار عبد الله بن جدعان، وتعاهدوا على ميثاق غير مسبوق، أقسموا فيه ألا يتركوا مظلوما في مكة، من أهلها أو من الغرباء، إلا وقفوا معه حتى يعود إليه حقه، وألا تحول المكانة أو القوة أو النفوذ دون إقامة العدل.


ومن ذلك الاجتماع ولد حلف الفضول، أحد أعظم الأحلاف الأخلاقية في التاريخ العربي.


ولم يقم هذا الحلف على عصبية قبيلة، ولا على طلب سلطة، ولا على تحالف عسكري، بل قام على مبدأ بسيط وعظيم في آن واحد: أن الحق لا ينبغي أن يضيع لأن صاحبه ضعيف، ولا أن ينتصر الباطل لأن صاحبه قوي.


وقد شهد النبي محمد ﷺ هذا الحلف وهو شاب قبل البعثة، فلما أكرمه الله بالرسالة لم ينس ذلك الموقف، بل قال كلمته التي خلدت حلف الفضول في التاريخ الإسلامي:

«لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت.»

ولعلها من أبلغ الشهادات على أن الإسلام لا يرفض المبادرات التي تقوم على العدل، بل يزكيها ويحث عليها، مهما كان زمنها، إذا كانت غايتها نصرة المظلوم ورد الحقوق إلى أصحابها.


واليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عشر قرنا، تبدلت أسماء المدن، وتغيرت أشكال الدول، وكثرت المحاكم، وتعددت القوانين، واتسعت وسائل الإعلام، لكن سؤالا واحدا ما زال يفرض نفسه:

هل اختفى الظلم من حياتنا؟

كم من إنسان ضاع حقه لأن خصمه يملك المال أو النفوذ أو السلاح أو السلطة؟ وكم من مظلوم صرخ فلم يجد من يسمعه؟ وكم من قضية عادلة خُنقت لأن أصحابها كانوا أضعف من أن يواجهوا أصحاب القوة؟

إن قيمة حلف الفضول لم تكن في أسماء الرجال الذين وقعوه، ولا في زمانه أو مكانه، وإنما في الفكرة التي قام عليها: أن المجتمع لا يترك المظلوم وحده، وأن العدالة مسؤولية جماعية، وأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تخضع لموازين القوة.


وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه:

إذا كان ظلم تاجر غريب قبل أربعة عشر قرنا قد دفع عقلاء قريش إلى تأسيس حلفٍ بقي خالدا في التاريخ، فكم من صور الظلم التي نشهدها اليوم تستحق أن توقظ فينا روح حلف الفضول من جديد؟

ربما لا نحتاج إلى إعادة الحلف باسمه، لكننا بحاجة ماسّة إلى إحياء قيمه؛ قيمٍ تجعل نصرة المظلوم شرفا، وردَّ الحقوق واجبا، والعدل ميزانا لا يفرق بين قوي وضعيف، ولا بين قريب وغريب. فالأمم لا تحفظها القوة وحدها، وإنما يحفظها أيضا ضميرٌ حيٌّ لا يقبل أن يضيع حق إنسان وهو قادر على نصرته.