آخر تحديث :الجمعة-10 يوليو 2026-09:16م

مكتبة عبادي.. ذاكرة عدن التي لم تُغلق بعد!!

الخميس - 09 يوليو 2026 - الساعة 09:22 م
احمد المريسي


قبل أن تُضاء عدن بالكهرباء، وقبل أن تُعرف الجزيرة العربية بالمطابع الحديثة، كان هناك في الشارع الطويل بيتٌ للورق والحبر. تأسس عام 1884 على يد الحاج عبادي حسن الهاشمي. لم يكن متجراً للبيع والشراء، كان مشروع وعي.

سماها صاحبها "دار الكتب العربية"، لكن الناس اختصروا الطريق وسموها باسمه: "مكتبة عبادي". لأن الاسم صار علامة، ولأن التاريخ أحياناً يُختزل في رجل.

في عامها الثاني أصدرت أول كُتبها. "النهر الفائض في أحكام الفرائض" لمحمد عبدالقادر المكاوي. كتاب ثنائي اللغة خاطب به المُقيمين من الهند والصومال وأفريقيا، وخاطب به قُضاة عدن من الإنجليز والهنود. منذ تلك اللحظة اتضح المنهج: المكتبة ليست للعرض، المكتبة للاستخدام. جسر يُعبر عليه الفقه والقانون واللغة.

ومن هذا المكان الصغير، صارت عدن مُوزعاً للكتاب العربي. امتدت وكالاتها إلى الحجاز وعُمان وظفار، وعبرت البحار إلى شرق أفريقيا، ووصلت إلى أندونيسيا وماليزيا وسنغافورة. قبل أن تُنشىء تلك الدول دور نشرها، كانت عبادي هي الناشر والمصدر.

الرفوف هنا لم تكن ديكوراً. كانت مجلساً مفتوحاً. التقى فيها آل لقمان، والبيحاني، وباوزير، والزبيري، والنعمان، ولطفي أمان، وغانم..هنا نوقشت الإصدارات، وهنا وُلدت دواوين، وهنا تشكل رأي عام. كان صاحب المكتبة شريكاً في تأسيس المثقف لا مجرد بائع له.

اليوم يحمل الأمانة الأخ / جمال عبداللطيف عبادي. الوريث الرابع لإرث لا يُقدّر بمال. يواجه واقعاً مختلفاً: إيجار محل صغير بمائة ألف،.بينما يمكن لهذا المكان التاريخي أن يُؤجر بخمسمائة ألف. ومع ذلك يصر على أن تبقى الأبواب مشرعة. أحياناً يدخل الخزنة مائتا ريال، وأحياناً عشرون ألفاً. لأنه لا يحسبها تجارة، يحسبها استمراراً.

إن أزمة المكتبة ليست أزمة بيع فقط. هي أزمة فهم.

في العالم يُعامل الكتاب كاستثناء. معفى من الجمارك، معفى من الضرائب، مدعوم في المعارض. وعندنا يُعامل كأي بضاعة،تُفرض عليه الواجبات تقديراً جزافياً، وتُقاس زكاته بحجم الواجهة لا بحجم الرأسمال. نطالبه أن ينافس الشاشة، ونثقل عليه بالتكاليف. نطلب منه أن يخفض السعر، وننسى أنه يدفع ثمن البقاء وحده.

مكتبة عبادي لم ترفع يوماً لافتة تطالب بالتكريم. لأن التكريم الحقيقي لا يُمنح في حفل. التكريم الحقيقي أن تبقى المؤسسة قادرة على العمل. أن نعترف بأن حماية الذاكرة مسؤولية دولة، لا مسؤولية فرد.

إن إغلاق هذا الصرح لن يكون خبراً اقتصادياً عابراً. سيكون إسدال الستار على فصل مؤسس في تاريخنا الثقافي..سيكون شهادة بأننا نجيد تأبين الماضي في المناسبات، ونعجز عن حمايته وهو حي بين أيدينا.

عدن التي صدرت النور إلى الآخرين، أولى الناس به. وذاكرة المدينة التي بدأت من هذا الرف، تستحق أن تُصان بالقانون لا بالصدقة، وبالسياسة العامة لا بالمبادرات الفردية.

رحم الله المُؤسسين الذين آمنوا أن إنارة العقل تسبق إنارة الشارع. وحفظ الله من يحمل الراية اليوم. فالأمم التي تنسى مكتباتها، تنسى طريقها.

▪️كاتب وباحث في الشأن العام