آخر تحديث :الأحد-27 سبتمبر 2026-01:53ص

في أزمة العقيدة العسكرية والأمنية

الخميس - 09 يوليو 2026 - الساعة 12:20 م
عبدالعزيز الحمزة


ليست أزمة المؤسسات العسكرية والأمنية في ضعف التسليح أو نقص الإمكانات، بل في الإجابة عن سؤال واحد: لمن يكون الولاء؟

فالدولة لا تُحمى بالسلاح وحده، وإنما بالعقيدة التي تضبط حامل السلاح وتحدد غايته. والعقيدة العسكرية الوطنية ليست شعارات تُردد في ساحات التدريب، بل منظومة قيم تجعل ولاء العسكري لله ثم للوطن والدستور والقانون، وتُخضع استخدام القوة للمصلحة العامة، لا لرغبات الأشخاص.

وحين ينتقل الولاء من المؤسسة إلى القائد، ومن الوطن إلى الشخص، تبدأ أخطر مراحل تآكل الدولة. عندها يفقد العسكري هويته كجندي للدولة، ويكتسب هوية جديدة قوامها الانتماء إلى قائد بعينه. ومع هذا التحول، يصبح الدفاع عن الشخص مقدماً على حماية الوطن، ويصبح الخلاف بين القيادات قابلاً للتحول إلى مواجهة بين الأفراد، لأن الولاء لم يعد للمؤسسة، بل لمن يقودها.

وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.

فالمؤسسة التي تتعدد فيها مراكز الولاء لا تعود مؤسسة وطنية، بل تتحول إلى كيانات متجاورة داخل إطار واحد، لكل منها مرجعيتها غير المعلنة. ويصبح السلاح، الذي يفترض أن يكون ضمانة للاستقرار، عرضة لأن يُستخدم في خدمة النفوذ الشخصي، لا في حماية الدولة. وبهذا تفقد الدولة، عملياً، احتكارها المشروع للقوة، حتى وإن بقي السلاح يحمل شعارها.

ومن أخطر مظاهر هذا الانحراف الخلط بين الطاعة العسكرية والولاء الشخصي. فالطاعة ركن من أركان الانضباط، لكنها طاعة منضبطة بالقانون والعقيدة الوطنية. أما الولاء الأعمى للأشخاص، فهو انقياد يهدم المؤسسة من الداخل، لأنه يجعل المرجعية هي القائد لا النظام، والعلاقة الشخصية لا الواجب الوطني.

إن المؤسسة العسكرية ليست ملكاً لقادتها، والجنود ليسوا أتباعاً لأشخاص، بل هم أمناء على قوة الدولة. وكلما تعاظم الولاء للأفراد، تراجع الولاء للمؤسسة، وكلما تراجع الولاء للمؤسسة، ضعفت هيبة الدولة، واتسعت دائرة الخوف لدى المواطن، لأن القوة لم تعد تُدار بمنطق القانون، بل بمنطق النفوذ.

إن معالجة هذه الظاهرة لا تحتاج إلى مزيد من السلاح، بل إلى إعادة بناء الإنسان العسكري. ويبدأ ذلك بإحياء العقيدة العسكرية الوطنية، وترسيخ أن الولاء لا يكون إلا للوطن والدستور والقانون، وتجريم أي ولاءات موازية داخل المؤسسات، وربط الترقية والقيادة بالكفاءة والانضباط لا بالقرب من الأشخاص، وتطبيق المساءلة على الجميع دون استثناء، حتى يبقى القانون هو القائد الأعلى للجميع.

إن الدول لا تنهار عندما تضعف جيوشها، بل عندما تفقد جيوشها هويتها الوطنية. فالسلاح الذي لا تحكمه عقيدة وطنية قد يتحول من درع يحمي الدولة إلى عبء يهددها. لذلك فإن بناء العقيدة العسكرية ليس شأناً عسكرياً فحسب، بل هو مشروع وطني لحماية الدولة، وصون هيبتها، وترسيخ أمن المجتمع، وضمان أن يبقى الولاء للوطن فوق كل ولاء، وللمؤسسة فوق كل شخص، وللقانون فوق الجميع.

،،،،،،،،،،،

✍️ عبدالعزيز الحمزة

الاربعاء ٨ يوليو ٢٠٢٦م