آخر تحديث :الخميس-20 أغسطس 2026-03:20م

ثورة الشعارات أم ثورة التحرير؟

الخميس - 09 يوليو 2026 - الساعة 10:07 ص
صلاح البندق


ليست كل رايةٍ تُرفع رايةَ حرية، ولا كل صوتٍ يعلو في الساحات صوتَ حق. فكم من متسلقٍ ارتدى ثوب الثورة حتى إذا بلغ مقاعد السلطة خلع ثوبها، وأظهر وجهه الحقيقي. عندها تتحول الثورة إلى وظيفة، والوطن إلى غنيمة، والشعب إلى وسيلةٍ تُستخدم للوصول ثم تُترك لمواجهة الجوع والخذلان.


الثورة الحقيقية لا تُقاس بكثرة الهتافات، ولا بطول الخطب، ولا بعدد اللافتات، وإنما تُقاس بقدرتها على تحرير الإنسان والأرض، وبناء دولة العدل والقانون والسيادة. أما ثورة المناصب، فهي لا تغيّر إلا أسماء الحاكمين، بينما يبقى الظلم على حاله، ويتبدل الشعار وتستمر المعاناة.


لقد خُدع كثيرون حين ظنوا أن البلاغة دليل الإخلاص، وأن ازدحام المنصات دليل الصدق. لكن التجارب أثبتت أن بعض الشعارات تُكتب في المكاتب المكيّفة، بينما تُدفع أثمانها في الميادين. هناك من يصنع الشعار ليحصد المكاسب، وهناك من يحمل الشعار ويدفع حياته ثمناً له.


وكما يقول المثل: جملٌ يُعصر وجملٌ يأكل. فلا الجمل الذي يُعصر أدرك حقيقة ما يجري، لأن على عينيه غطاء، ولا الجمل الذي يأكل اكتفى بما أخذ، لأن الطمع لا يعرف حدوداً، وعلى ضميره غشاوة.


والمثال الحي أمامنا في واقعنا العربي؛ فكم من حركةٍ رفعت شعار التحرير والاستقلال، وما إن وصلت إلى مواقع القرار حتى انشغلت بتقاسم النفوذ والمناصب، وتحول الصراع من مواجهة التحديات الوطنية إلى صراع على المكاسب. المواطن الذي خرج يطالب بالكرامة وجد نفسه يطالب براتب، والذي حلم بدولة المؤسسات أصبح يبحث عن واسطة لقضاء أبسط حقوقه. تبدلت الوجوه، لكن الأساليب بقيت كما هي.


إن الخديعة الكبرى ليست في دهاء الانتهازيين وحدهم، بل في غفلة الشعوب حين تستبدل الوعي بالعاطفة، وتمنح ثقتها لمن يجيد الخطابة أكثر ممن يجيد الإدارة. فالثورة ليست مهرجاناً للهتاف، بل مشروع وطني يقوم على رؤية واضحة، وعدالة، ومحاسبة، وسيادة قانون لا يستثني أحداً هذه الثورة.


العبرة أن من لا يفرّق بين ثورة التحرير وثورة الكراسي، سيصفق اليوم ثم يكتشف غداً أنه كان يصفق لمن سرق حلمه. ومن يترك الساحة للمتسلقين بحسن نية، سيجد وطنه يُدار بسوء النية.


فالقضية ليست أن نثور، بل أن نعرف لماذا نثور، ولمن نسلّم الأمانة، وكيف نحاسب من يتولى المسؤولية. فالثورة التي لا يحرسها الوعي، ولا تضبطها المبادئ، تتحول إلى سوقٍ للمصالح، يربح فيه الانتهازيون، ويخسر فيه الوطن، وتضيع فيه تضحيات الأحرار.