لا خلاف على أن القرارات التي أصدرها وزير الدولة، محافظ عدن، الأستاذ عبدالرحمن شيخ، يوم الأحد الماضي، حملت في طياتها قدراً من الإنصاف لأبناء عدن، لكن ذلك لا يكفي إذا ما نظرنا إلى الانتماء الجغرافي لمديري عموم المديريات الثمان، حيث يتضح أن أكثر من نصفهم ينتمون إلى لون جغرافي واحد. ورغم أن بعضهم من مواليد عدن، فإن ذلك لا يحقق التوازن المطلوب في إدارة شؤون المحافظة. وكان من الأولى أن يحظى أبناء عدن الأصليون بالنصيب الأكبر من هذه المناصب، فعدن غنية بأبنائها... فلماذا يُهمَّشون؟
إن المطالبة بإنصاف أبناء عدن الأصليين ليست منحة، بل هي حق مشروع ينبغي أن ينالوه. فعدن مدينة زاخرة بالكفاءات في مختلف المجالات الإدارية والعسكرية والأمنية والقضائية، والاكاديمية، والمطالبة بتمكينهم من تولي الوظائف القيادية، ومنها إدارة شؤون المديريات، ليست دعوة إلى إقصاء أبناء المحافظات الأخرى، وإنما هي دعوة لتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص والاستفادة من الخبرات والكفاءات الوطنية الموجودة.
لقد كانت عدن، وستظل، مصنعاً للإداريين والمثقفين والمهنيين، ومصدراً للكفاءات المؤهلة القادرة على إحداث التغيير الإيجابي المنشود متى ما أُتيحت لها الفرصة للمشاركة في إدارة مؤسسات الدولة وخدمة مدينتها. ويشهد تاريخ أبناء عدن بالنزاهة والكفاءة والتفاني في العمل، فقد عرفت المدينة، خلال الحقبة التي سبقت الاستقلال الوطني عام 1967، نهضة إدارية ومدنية وخدمية شملت مختلف القطاعات، وفي مقدمتها ميناء عدن، إلى جانب النظامين الإداري والمالي اللذين اشتهرت بهما المدينة. وهذه الشواهد وحدها كفيلة بالإجابة عن سؤال: من هم أبناء عدن الذين صنعوا تلك النهضة التي جعلت من المدينة تُعرف بـ"جوهرة الشرق"؟
غير أن كثيراً من تلك الكفاءات أُبعدت عن وظائفها بعد الاستقلال، ومورست بحقها سياسات الإقصاء والتهميش، وهو ما انعكس سلباً على عدن، وأسهم في تراجع مكانتها الاقتصادية والإدارية والسياسية. لقد دفع أبناء عدن ثمناً باهظاً لسنوات طويلة، ولا ينبغي أن تستمر هذه السياسة حتى اليوم. فإذا كانت هناك نوايا صادقة لإعادة عدن إلى مكانتها الطبيعية، فإن البداية الحقيقية تكون بإشراك الكفاءات العدنية النزيهة وذوي الخبرات في قيادة مؤسسات الدولة وإدارة شؤون المحافظة ومديرياتها.
لم تكن عدن يوماً مدينة فقيرة بالكفاءات، بل كانت ولا تزال مصنعاً للقادة الإداريين والمهنيين والأكاديميين. وما يطالب به أبناؤها اليوم ليس احتكار المناصب أو إقصاء الآخرين، وإنما الحصول على فرصة عادلة يكون معيارها الكفاءة والاستحقاق، بعيداً عن العلاقات الشخصية أو الحسابات المناطقية الضيقة. فعندما تُنصف الكفاءات العدنية، فإن الرابح الحقيقي هو عدن نفسها.
فعدن غنية بأبنائها... فلماذا يُهمَّشون؟