آخر تحديث :الإثنين-17 أغسطس 2026-02:45م

التحدیات العالمیة أمام قمة الناتو في تركیا

الأربعاء - 08 يوليو 2026 - الساعة 09:05 م
إبراهيم أبو عواد


إبراھیم أبو عواد / كاتب من الأردن


تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) في تركیا في مرحلة تُعَد من أكثر المراحل تعقیدًا

في النظام الدولي منذ نھایة الحرب الباردة، فلم تعد أجندة الحلف تقتصر على الدفاع

الجماعي، وردع التھدیدات العسكریة التقلیدیة، بل أصبحت تشمل طیفًا واسعًا من التحدیات

الجیوسیاسیة والاقتصادیة والتكنولوجیة التي تعید رسم موازین القوة العالمیة، وتفرض على

الحلف مراجعة أولویاتھ وإستراتیجیاتھ.



في مقدمة ھذه التحدیات تأتي الحرب الروسیة الأوكرانیة، التي ما تزال تلقي بظلالھا على

الأمن الأوروبي، فاستمرار الصراع یفرض على دول الناتو المحافظة على وحدة موقفھا

السیاسي والعسكري، مع ضمان استمرار الدعم لأوكرانیا، وفي الوقت نفسھ تجنب أي تصعید

قد یؤدي إلى مواجھة مباشرة مع روسیا. ویظل تحقیق ھذا التوازن من أكثر الملفات حساسیة

داخل الحلف، خاصة في ظل اختلاف الرؤى بین بعض الدول الأعضاء بشأن حجم الدعم

العسكري، ومستقبل التسویة السیاسیة.



كما تواجھ القمة تحدیًا آخر یتمثل في تصاعد المنافسة الإستراتیجیة مع الصین، التي

أصبحت لاعبًا رئیسًّا في الاقتصاد العالمي، والتكنولوجیا المتقدمة، وسلاسل الإمداد. ورغم أن

الصین لیست خصمًا عسكریًّا مباشرًا للناتو، إلا أن توسع نفوذھا الاقتصادي والعسكري یثیر

قلقًا متزایدًا داخل الحلف، خاصة فیما یتعلق بأمن الفضاء الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي،

وأمن البنیة التحتیة الحیویة، وحمایة التقنیات المتقدمة.

ولا تقل التحدیات الداخلیة أھمیة عن التھدیدات الخارجیة، إذْ یواجھ الناتو ضغوطًا للحفاظ

على تماسكھ السیاسي في ظل تباین المصالح الوطنیة بین أعضائھ، فملفات الإنفاق الدفاعي،

وتقاسم الأعباء العسكریة، والھجرة، وأمن الطاقة، والعلاقات مع الشرق الأوسط، كلھا قضایا

تكشف اختلاف الأولویات بین دول الحلف، الأمر الذي یتطلب توافقًا سیاسیًّا یحافظ على وحدة

القرار الإستراتیجي.



ویبرز الإرھاب بوصفھ تھدیدًا مستمرًّا رغم تراجع حضوره الإعلامي مقارنة بالحروب

التقلیدیة. فالتنظیمات المتطرفة ما تزال تستغل مناطق النزاعات والھشاشة الأمنیة في بعض

الدول لإعادة تنظیم صفوفھا، وھو ما یجعل مكافحة الإرھاب والتعاون الاستخباراتي أحد

المحاور الأساسیة لأیة رؤیة أمنیة مستقبلیة للحلف.

وفي الجانب الاقتصادي، تمثل تداعیات التضخم العالمي، وتقلبات أسواق الطاقة،

واضطرابات سلاسل التورید، تحدیات غیر مباشرة تؤثر في قدرة الدول الأعضاء على زیادة

الإنفاق الدفاعي، وتطویر صناعاتھا العسكریة. كما أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي والاعتماد

المتزاید على التكنولوجیا المتقدمة یفرضان على الحلف الاستثمار بصورة أكبر في الأمن

السیبراني، وحمایة البنیة التحتیة الرقمیة.

أمَّا تركیا، بصفتھا الدولة المستضیفة، فتحتل موقعًا إستراتیجیًّا بالغ الأھمیة داخل الناتو،

إذْ تمثل حلقة وصل بین أوروبا وآسیا والشرق الأوسط والبحر الأسود. ویمنحھا ھذا الموقع

دورًا محوریًّا في مناقشة قضایا الأمن الإقلیمي، ومكافحة الإرھاب، وأمن الملاحة والطاقة،

وإدارة الأزمات في المناطق المجاورة. كما تسعى أنقرة إلى توظیف استضافتھا للقمة لتعزیز

مكانتھا الدبلوماسیة، وإبراز دورھا بوصفھا شریكًا لا غنى عنھ في معادلة الأمن الإقلیمي

والدولي.



لن تكون قمة الناتو في تركیا مجرد اجتماع دوري لقادة الدول الأعضاء، بل محطة

مفصلیة لاختبار قدرة الحلف على التكیف مع عالم سریع التحول، تتداخل فیھ التھدیدات

العسكریة مع التحدیات الاقتصادیة والتكنولوجیة والسیاسیة.


وسوف یُقَاس نجاح القمة بمدى قدرتھا على بلورة رؤیة إستراتیجیة موحدة تعزز الأمن

الجماعي، وتحافظ على تماسك الحلف، وتؤسس لاستجابة أكثر فاعلیة للتحدیات العالمیة

المتسارعة، في ظل نظام دولي یتجھ نحو مزید من التنافس وعدم الیقین.