آخر تحديث :الأربعاء-08 يوليو 2026-08:48م

ليس كل ألمٍ يبحث عن خصم!

الأربعاء - 08 يوليو 2026 - الساعة 06:23 م
د. سمير أحمد بوست


أعرف رجالاً من الجنوب...

كلما عاد الحديث إلى الماضي، لم أسمع في أصواتهم رغبة في الانتقام، بقدر ما سمعت رغبة في أن يشعر أحد بحجم ما عاشوه.


وأعرف رجالاً من الشمال...

يتمنون، كلما فُتح هذا الملف، ألا يُنظر إليهم باعتبارهم مسؤولين عن أخطاء لم يكونوا جزءاً من صنعها.


وبين هؤلاء وهؤلاء...

أدركت حقيقةً صغيرة في كلماتها، لكنها كبيرة في معناها...

ليس كل ألمٍ يبحث عن خصم...

بعض الألم يبحث فقط عن عدالة.


ولعل هذا هو الفرق بين من يريد أن يبقى أسيراً للماضي، ومن يريد أن يتعلم منه.


فالماضي لا يمكن تغييره، لكنه يستطيع أن يغيّرنا.

إما أن يجعلنا أكثر حكمة...

أو أكثر انقساماً.


وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي تواجهه الشعوب بعد كل مرحلة مؤلمة.


ويوم السابع من يوليو (7/7) ليس مجرد تاريخ يختلف الناس في تفسيره، بل محطة تركت آثاراً عميقة في وجدان كثير من أبناء الجنوب، ولا يمكن تجاوزها بمجرد مطالبة الناس بالنسيان.


فالذاكرة ليست مفتاحاً يمكن إغلاقه متى شئنا.

والجراح لا تلتئم لأن الزمن مر عليها.

إنها تلتئم عندما يشعر أصحابها أن العدالة بدأت تأخذ طريقها الصحيح.


ولهذا، فإن الاعتراف بالمظالم ليس إحياءً للخلافات، بل بداية لمعالجتها.

والاستماع إلى أصحابها ليس انحيازاً لطرف، بل احترامٌ لإنسان عانى، ويريد أن يشعر أن صوته وصل.


لكن العدالة، إذا كانت صادقة، لا تتوقف عند هذا الحد.

فالعدالة نفسها ترفض أن يتحول الألم إلى تهمة جماعية، أو أن يحمل الأبناء أخطاء لم يصنعها الآباء، أو أن يصبح الانتماء الجغرافي سبباً للحكم على الناس.


فكما أنه ليس من العدل أن يُطلب من صاحب المظلمة أن يصمت...

ليس من العدل أيضاً أن يُطلب من طفلٍ وُلد بعد تلك الأحداث أن يحمل وزرها.


ولهذا، فإن القضية ليست جنوباً في مواجهة شمال...

ولا شمالاً في مواجهة جنوب...


بل هي عدالة في مواجهة الظلم، ودولة في مواجهة الفوضى، ومستقبل في مواجهة أخطاء الماضي.


ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نفرق بين الشعوب والأنظمة، وبين الإنسان والسياسات.

فالأنظمة قد تخطئ...

أما الشعوب، فهي غالباً من يدفع الثمن.


ولهذا لا ينبغي أن تتحول أخطاء مرحلة إلى قطيعة بين أناس تجمعهم اللغة، والدين، والتاريخ، والمصير، وروابط إنسانية واجتماعية لا يمكن أن تمحوها السياسة.


واليوم، تبدو كل خطوة صادقة نحو الحوار جديرة بالدعم، لأنها لا تبحث عن غالبٍ ومغلوب، بل عن مساحة يلتقي فيها الجميع على قاعدة واحدة:

أن الكرامة حق...

وأن الشراكة ضرورة...

وأن العدالة ليست تنازلاً لأحد، بل ضمانة للجميع.


وربما لهذا السبب، فإن الحوارات التي تشهدها الساحة اليوم، إذا بُنيت على الصدق، والاحترام، والاعتراف المتبادل، يمكن أن تكون بداية لطريق جديد؛ طريق لا يطلب من أحد أن يتخلى عن حقوقه، ولا يسمح لأحد أن يصادر حقوق غيره.


فالسلام الحقيقي لا يبدأ عندما تتشابه الآراء...

بل عندما يشعر المختلفون أن العدالة تتسع لهم جميعاً.


وأعتقد أن التاريخ، لو كان يستطيع أن يتحدث إلينا اليوم، لما طلب منا أن نتخاصم باسمه...


بل لقال لنا:

"تعلّموا مني... ولا تكرروني."

لأن الأوطان لا تُشفى عندما ننسى جراحها...

ولا عندما نبقى أسرى لها...


بل عندما نحولها إلى حكمة، وإلى عقدٍ جديد يقوم على الإنصاف، وسيادة القانون، والشراكة، واحترام كرامة الإنسان.


ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى معنا في هذا اليوم، وفي كل يوم، ليس:

من انتصر بالأمس؟

بل:

كيف نضمن ألا يخسر أحد غداً؟


لأن أعظم إنجاز لا تصنعه السياسة...

بل تصنعه العدالة.

وأجمل انتصار لا يتحقق عندما يخسر طرف...

بل عندما يشعر الجميع أنهم ربحوا وطناً يتسع لهم جميعاً، ويحفظ كرامتهم، ويعاملهم بالعدل.


وقبل أن نغادر هذه الفكرة...

أتمنى من القلب أن يأتي يومٌ يقرأ فيه أبناؤنا هذه الصفحات، لا ليعرفوا كيف اختلفنا، بل ليعرفوا كيف تجاوزنا خلافاتنا، وكيف انتصرنا للعدل، وكيف اخترنا أن يكون الإنسان أكبر من الجراح، وأن يكون الوطن أكبر من الماضي.


ربما لن نستطع أن نغيّر ما حدث بالأمس...

لكننا نستطيع أن نصنع بأيدينا مستقبلاً أكثر عدلاً، وأكثر رحمة، وأكثر اتساعاً للجميع.


فلنكتب اليوم ما سيقرأه أبناؤنا غداً...

ولنترك لهم وطناً يتذكرونه بالمحبة، لا بالمرارة...

ويتحدثون عنه بالفخر، لا بالألم.


فالأجيال لا تسأل كثيراً كيف بدأ الخلاف...

لكنها ستسألنا دائماً: كيف انتهى؟

فالعدل لا يغيّر الماضي... لكنه يغيّر كل ما يأتي بعده.