بين يديّ كتاب للدكتور أحمد هادي باحارثه حمل عنوان (حضارمة في المهجر المصري) صادرٌ عن دار حضرموت للدراسات والنشر.
وبدون شك مجرد العنوان يجذبك لالتهامه قراءة سريعة ومتأنية لمعرفة المزيد من المعلومات عن أجيال متعددة من الحضارمة الأوائل الذين كان لهم حضور مميز منذ بدايات الفتح الإسلامي لهذه الأرض، لتاريخها القديم ولموقعها الجغرافي التي صار لها فيما بعد الفتح الإسلامي الريادة والقيادة في مجالات عدة وكان رجالها حاضرين على مدار التاريخ علماً وفكراً وأدباً وسياسة.
وكانت جامعاتها ومراكزها العلمية التنويرية يأتي إليها طلبة العلم من كافة أقطار العالم العربي والإسلامي فمن نيلها يشربون ومن منابعها العلمية ينهلون وعلى أساتذتها يتتلمذون.
وتميّزت مصر ثقافياً وفنياً وجذبت نحوها ملايين السياح من أنحاء العالم يزورونها سنوياً، وكما هي الآن يأتيها ملايين المرضى اليمنيين طلباً للعلاج، ففيها يجدون الأطباء الأكفاء فيعودون أصحاء إلى أهلهم وذويهم بفضل الله.
عموماً الكتاب صغيرٌ في حجمه غزيرٌ فيما احتواه من معلومات.
وتحت عنوان الحضور الحضرمي في مصر قال الدكتور أحمد: حينما وضَعِت خيل الفتح الإسلامي حوافرها على ضفاف أرض الكنانة بقيادة عمرو بن العاص كانت العناصر اليمنية تُشكّل عمدة جيشه الفاتح جُنداً وقادة وسجّل الحضارمة حضوراً كثيفاً في تلك التشكيلة ما لبثت أن تبوأت لها في مصر مواضع استقرّت بها واتخذتها موطناً.
وما أن بسط الإسلام لواءه في تلك الأرض الخصيبة التي أنعم الله عليها بهذا الشريان المائي الغزير والمتدفق حتى مدّ عددٌ كبير من قاطني حضرموت عيونهم إليها وتطلعوا إلى الهجرة إليها ليجدوا في خَصبِها عِوَضَاً عن المُحْل والجدْب الذي تشكو منه بلادهم.
ثم ازدادت الهجرة الحضرمية إلى مصر في عهد الخليفة عثمان بن عفان واستوطنوا في مناطق مختلفة من الأرض المصرية، ولم تمضِ فترة كبيرة حتى كان أولئك في طليعة المؤسسين لمفاصل الدولة في مصر، بوصفها ولاية تابعة لدولة الخلافة الإسلامية، واحتلّ عددٌ من وجهائهم مواقع متقدمة وقيادية في السلّم الوظيفي لهذه الولاية، ويكفيهم فخراً إشادة معاوية بن أبي سفيان في رسالته لواليه على مصر عمرو بن العاص "لا تولِّ عملك إلاّ حضرمياً فإنهم أهل أمانة"، فهذه الخصلة وغيرها من الخصال الخلقية والصفات العلمية أهلتهم لذلك وكسبوا من خلالها ثقة ولي الأمر، وفي ذلك يقول المؤرخ محمد عبدالقادر بامطرف الكندي: "إن طبيعة حضرموت الفقيرة تُرغِم أبناءها على الهجرة سعياً وراء الرزق ويضطرهم هذا إلى اكتساب مزايا معينة كالمهارة والأمانة تكفلُ لهم النجاح في كفاحهم في البلاد الغريبة عليهم".
ويؤكد كلام بامطرف نجاحهم في القضاء بمصر حيث ضرب الحضارمة الرقم القياسي في عدد من ولِي القضاء حيث تولاه تسعة من رجال حضرموت على مدى قرن ونصف من الزمان من 84هـ إلى 244هـ حتى قال قائلهم:
لقد وُلِّيَ القضاء بكل أرضٍ
من الغُر الحضارمةِ الكرامِ
رجالٌ ليس مثلهم ُ رجالٌ
من الصيدِ الجحاجحةِ الضخامِ
وحقيقةً الدكتور أحمد لم يرّكز في كتابه على ذلك الجيل فكان معظم الكتاب حول عدد من الشخصيات الذين قطنوا مصر منذ بدايات القرن العشرين وبرزوا من خلال نتاجهم الأدبي واهتمام الصحافة المصرية في ذلك الوقت بهم وفي مقدمتهم الأديب الشهير الذي لم يجُد الزمان بمثله حتى الآن علي أحمد باكثير الكندي رحمه الله.
استعرض الدكتور احمد لعدد من الشخصيات بدأ بعبد الرحمن مصطفى العطاس الذي أتى من الحجاز إلى مصر بقصد زيارة ضرائحها الشهيرة فقال: "حدا بنا حادي السري من ام القرى إلى الديار المصرية والأماكن التي هي بها، لنشرّف الأشباح الحسية، بزيارة أهل الأرواح القدسية".
فقال قصيدة في أحمد البدوي صاحب الضريح المعروف بطنطا مستغيثاً به من أهوال البحر العجاج، خصوصاً عند اختلاف الرياح وشدّة تلاطم الأمواج، فقال:
تلاف تلاف العبد يا خيرِ سيدٍ
له الحكمُ في الأقطارِ والنهي والأمرُ
فلي نسبٌ فيكمُ ولي حسبٌ بكم
تواطت له الأقمارُ والشمسُ والزهرُ
أأخشى وأنتم لي حماةٌ وهل يُرَى
يروعَني خطبٌ ولي منكمُ النصرُ
فذُلّي بكم عِزٌ وفَقري بكم غنى
وبُعدي بكم قُربٌ وعُسري بكم يُسرُ
واستعرض الدكتور نماذج من أعمال عدة شخصيات أخرى مثل السقاف، وباكثير، والبكري، وبن يحيى، وباعبود، وهنا أكتفي بما تقدّم وإلى الملتقى.