آخر تحديث :الأربعاء-08 يوليو 2026-08:48م

اللقاء المُر تحت ظل الشتات .. "بحور المآسي"(24)

الأربعاء - 08 يوليو 2026 - الساعة 05:00 م
حسين سالم السليماني


وقف الرجال المارّة في ذهول تحت ظلال تلك الشجرة الوارفة، تسبقهم نية الإغاثة، لكن "أم معين" كانت ترتجف ذعراً؛ فقد أبصرت في وجوههم ملامح القرية التي فرّت منها ومن جحيمها. وبينما كانت دقات قلبها تتسارع، انشقّ الزحام عن وجه مألوف، إنه "أحمد" شقيق سعيد، الذي صرخ في رفاقه بلهجة حاسمة: توقفوا أيها الرجال.. هذه عائلتي، دعوا لي أمرهم وارتدوا قليلاً.

تقدم أحمد نحو الأرملة المكلومة، هاله مرآها ودم الخدوش يمتزج بتراب الطريق على أجساد الصغار، فسألها بوجل: يا أم معين، ما الذي ألقى بكم في هذا التيه؟ وكأنكم طرائد فرّت من نصال الصيد! وما بال هذه الدماء تسكن جلودكم؟.

أجابته والأنفاس تصعد زفرات محرقة: سأروي لك كل فجيعة، ولكن أخبرني.. إلى أين تمضي بخطاك؟.

قال: أنا في طريقي إلى القرية.

هزت رأسها بأسى وقالت: ألم يدركك خبر "سعيد" أخيك؟ لقد أجمعنا أمرنا على الهجرة، وكان هو إمامنا في هذا القرار الصعب.


جثا أحمد على ركبتيه أمامها، والدهشة تعقد لسانه: وما الذي قلب الموازين يا أم معين؟ ألم يقل أخي سعيد إن الصبر مفتاحُنا، وإن الأرض ملاذنا نفلحها ونحيا فيها؟.

قالت بمرارة: تغير الزمان يا أحمد؛ لقد ثار "معين" لكرامته، فباع بقر "ثابت" وابتاع بثمنهن بندقية وذخيرة، فكان أن افتدى أخوك سعيد الموقف ببقراتك التي كنت تدخرها لغدك.

عند سماع ذلك، انهار أحمد تحت ثقل الصدمة، وافترش الأرض لحظات يصارع ذهوله، ثم نهض بجلال الموقف، وعاد إلى رفاقه المترقبين ليعلن فراقهم: جزاكم الله خيراً يا معشر الرجال، لكن أقداري انحرفت نحو هذه العائلة الضعيفة، فهم أهلي ولا عائل لهم في هذا الفيافي غيري. اذهبوا في حفظ الله، وسأذهب أنا معهم حيث وجهتهم.


عاد أحمد إلى أم معين، والوقت قد انتصف وهجير الظهر يصلي الرؤوس. حاول أن يداري كسر قلبه ببعض العطايا، فأخرج حلويات اشتراها من المدينة وقال: أيقظي الصغار، فمعي لهم زاد كنت قد ادخرته لمن أحب، لكن يبدو أن سبل الحب في بلادنا قد سُدّت مسالكها.

لم تكن أم معين تجهل ما في صدره، فقالت بنبرة يملؤها العزاء: يا أحمد، تلك التي خطبتها ووهبتها قلبك، قد استردّ مهرك "ثابت" بدعوى حق القرابة، وجادلهم سعيد حتى كلّ لسانه فما ارعووا، وقد زُفت الآن لآخر في القرية الشرقية.

سقطت دموعُ أحمد صامتة، تحفر أخاديد الوجع في قلبه: خير إن شاء الله.. لقد كان حبها يسكنني منذ الطفولة، وكانت وصية أمي الراحلة أننا لبعضنا أبد الدهر. من أجلها طويت الفيافي، ومن (لحج) جئت أحمل هذه الحلويات وهذا الثوب الجديد.

مسح دمعته بكبريائه، ومد يده بالحلويات وبالأحذية الجديدة لأم معين وصغارها قائلاً: خذي هذه الأحذية فأنتِ أحقّ بها في هذا الدرب الشائك، وخذوا الحلويات لتسدوا بها رمق جوعكم.

ردت أم معين بحياء مكسور: يا أحمد، لقد أثقلنا كاهلك أنت وسعيد؛ فذاك أعطانا مال زواجك، وأنت اليوم تعطينا هدايا عمرك.. سامحنا يا أخي.

سألها بذهول يمتزج بالرضا: أحقاً أعطاكم سعيد مالا؟.

قالت: نعم، لم يبخل علينا بشيء.

وهكذا، تحت تلك الشجرة، تلاقت مآسي الرحيل بانكسارات الحب، ليرسم أحمد وسعيد أعظم لوحة في الفداء، حيث تذوب الأحلام الشخصية في سبيل نجاة الضعفاء.


.................•..................

وللقصة بقية.