الوقوف مع الحق والانتصار له نزعة بشرية خيرية وإيجابية ، تتطلب جهد كبير وتدريب متواصل على كبح جماح النفس وكبت نزواتها وشهواتها السلبية والعدوانية والاستبدادية ، ولا يستطيع الانسان الانتصار للحق إلا إذا تمكن من الانتصار على نفسه أولاً ، فبدون الانتصار على النفس لن يستطيع الانسان أبداً الانتصار للحق ، فنوازع الشر تحول بينه وبين ذلك ، وتدفعه للانتصار دائماً لنفسه في المقام الأول ثم لأسرته ثم لعصبيته وقبيلته وهكذا ، سواء كان ذلك على حق أو على باطل ، وبذلك فإن الانتصار للحق هي حالة من السمو الإيماني والأخلاقي والعقلي الراقي والمثالي ، ينتج عنها إرادة آيجابية قوية وطاقة أخلاقية وإيمانية عالية تحرر الإنسان من الخضوع لأهوائه ونزواته وتعصباته وأنانيته ، وتدفعه للوقوف مع الحق والانتصار له سواء كان له أو عليه ، ولا يخاف في ذلك لومة لائم ..!!
ولم يصل إلى هذه المرتبة العالية والسامية إلا قله من البشر في كل زمان ومكان في مقدمتهم الأنبياء والرسل عليهم السلام والصالحين ، فنزعة الشر ونزوات النفس والتعصبات السلبية تدفع بالانسان للانتصار لنفسه ولتعصباته والوقوف ضد الحق مهما كان واضحاً وجلياً ، قال تعالى (( إن النفس لأمارةُ بالسوء )) ، بل إن البعض لا يترددون في نهب حقوق الآخرين بالباطل ، وما تلك الملايين من القضايا في المحاكم البشرية إلا دليل على ذلك ، فلو كان كل إنسان يعرف ما له وما عليه ، ويقتنع بحقه ولا يطمع في حق غيره لما كان هناك وجود لتلك القضايا ، ولما كان هناك وجود لكل ذلك التباغض والتنافر والكراهية والعداوة بين البشر ، ولما وصل بهم الأمر لارتكاب كل تلك الجرائم والانتهاكات البشعة فيما بينهم ..!!
ويظل هذا الحال وارد في العلاقات الاجتماعية والأسرية بحكم الطبيعة البشرية ، لكن المؤسف والمؤلم هو ضياع الحق والحقيقة والحقوق في المؤسسات الحكومية وفي دوائر القضاء وفي أروقة المحاكم ، المعنيه بمواجهة الظلم وردعه والقضاء عليه ، والملزمة بالانتصار للحق والوقوف إلى جانب المظاليم وإعادة الحقوق إلى أهلها والمظالم إلى أصحابها ، ليصبح البحث عن الحق شاق ومتعب ومكلف ، في ظل التمديد والتطويل والتسويف في القضايا والمحاكمات ، وفي ظل غياب الوازع الديني والأخلاقي وموت الضمير لدى العديد من القائمين على هذا الأمر ، ولا يتوقف الانتصار للحق في مجال القضايا والحقوق والخلافات الاجتماعية ، بل إن الانتصار للحق والحقيقة في المجال الفكري والبحثي والعلمي أكثر أهمية ، لأن النتائج المترتبة على عدم الانتصار للحق والانتصار للأهواء والتعصبات أكثر سلبية ، فالترويج للأفكار والآراء الباطلة له عواقب وخيمة ليس على فرد بذاته بل على المجتمع برمته بل قد تؤثر نتائجها السلبية على البشرية جمعاء ، فكم من الدعوات والأفكار السلبية والهدامة القائمه على أسس ومعتقدات باطلة قد دفعت المجتمعات البشرية لخوض الحروب والصراعات الدامية في مختلف العصور والأزمان ..!!
من أجل ذلك كان وما يزال وسيظل الانتصار للحق والحقيقة في كل مناحي الحياة الفكرية والدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، أمر مرغوب وعظيم وحضاري ، لأن نتائج ذلك حتماً ستعود على الفرد والأسرة والمجتمع والإنسانية قاطبة بالخير والايجابية ، فبالانتصار للحق سيعطى كل ذي حقٍ حقه ، وستتراجع وتيرة الظلم والتظالم بين البشر ، ولن يكون هناك من داعي للحروب والصراعات الدامية والعبثية ، وسوف يساهم ذلك في تحطيم قيود التعصبات التي تكبل العقل عن البحث على الحقيقة وتمنعه من القبول بالحق ورفض الباطل ، والانتصار للحق من صفات المؤمنين الصالحين ، والانتصار للحق هو المقياس الحقيقي للإيمان والصلاح والحكمة ، فهو بصل بالانسان إلى مرحلة من الطمأنينة والراحة النفسية ( النفس المطمئنة ) ..!!