آخر تحديث :الأربعاء-08 يوليو 2026-08:48م

زيارة نتنياهو لواشنطن... خلفياتها وأهدافها

الأربعاء - 08 يوليو 2026 - الساعة 09:46 ص
نبيل عمرو


أي رئيس حكومةٍ في إسرائيل، وخصوصاً في فترة الحملة الانتخابية، يسعى لزيارة واشنطن، بوصفها المنبر الأكثر تأثيراً في الرأي العام الإسرائيلي.

الزيارة الوشيكة هي أكثر ما يحتاجه نتنياهو في معركة بقائه السياسي، التي تختلف هذه المرة عن معاركه السابقة، حيث التراجعات الفادحة لمكانة ائتلافه كما تؤكد ذلك استطلاعات الرأي المهنية، التي تثبّت مقاعده المحتملة عند رقمٍ منخفض، يقابله ارتفاعٌ في عدد مقاعد منافسيه، حتى لو وصلت الأمور حدّ التساوي، وعدم قدرة أي طرفٍ على تشكيل الحكومة، فإن ما يقلق نتنياهو أن بيضة القبّان ستكون بيد النوّاب العرب الذين أينما يضعون أصواتهم يكون رئيس الوزراء القادم.

يسافر نتنياهو إلى واشنطن، وفي إسرائيل رزمة اتهاماتٍ لم يجد بعد ما يبرئ نفسه منها، فإلى جانب محاكماته على قضايا الفساد الكبرى، التي يكون البتّ فيها ذهاباً إلى البيت أو إلى السجن، هناك لائحة اتهامٍ تزداد وتتضخم كلّما اقترب موعد الانتخابات، سواءٌ أكانت في وقتها أم مبكّرة.

ويتصدّر القائمة اتهامٌ مباشرٌ ومتنامٍ بتدميره المؤسسة القضائية التي تصوّرها المعارضة على أنها أيقونة الدولة والمجتمع، وأن الحرب عليها هي حربٌ على أساسات الدولة وحياتها الديمقراطية، والحوكمة الرشيدة! ثم تهمة ممالأة الحريديم، الذين يمتنعون عن الخدمة العسكرية، في الوقت الذي يعاني فيه الجيش من نقصٍ فادحٍ في قواه البشرية، بينما إسرائيل تخوض بتدبيرٍ من نتنياهو حرباً على عدّة جبهات لم تُحسم أي واحدةٍ منها. ثم تهمة التهرّب من تشكيل لجنةٍ مستقلةٍ للتحقيق في أحداث السابع من أكتوبر، ومحاولته فرض لجنةٍ يكون له فيها الدور الأساس، ليس في اختيار الأعضاء فقط، وإنما في التأثير على القرارات.

ثم تهمةٌ تبدو كأنها هي السبب الأهم لزيارة واشنطن، وهي تحميله مسؤولية الخلل الذي نشأ مؤخراً في علاقة إسرائيل بأميركا، حيث أدّت إدارته للعلاقة إلى إبعاد إسرائيل عن الملف الإيراني وظهورها بمظهر التابع الضعيف، وليس الشريك القوي، وقد غذّى هذه التهمة ما صدر عن إدارة ترمب من تصريحاتٍ بلغت حدّ الإهانة، وأكثر ما أثّر في الرأي العام الإسرائيلي تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس، التي وبّخ بها نتنياهو محذراً إيّاه من مواصلة التجرؤ على ترمب بوصفه الحليف الوحيد المتبقي لإسرائيل.

تهمة نتنياهو بشأن إساءته للعلاقات الخاصة بين إسرائيل وأميركا لا تقتصر على السجالات الداخلية بين المتنافسين في الانتخابات، بل تغذّيها مقولةٌ صارت رسميةً وشعبيةً في أميركا، وهي أن الحرب المكلفة على إيران كانت حرب نتنياهو الشخصية، وليست حرب أميركا. ويدرك نتنياهو استحالة تلبية طلباته التي سيطرحها على الرئيس ترمب، ليس من أجل أن تتحقق، وإنما كدعايةٍ انتخابية يقول فيها لإسرائيل، إنه يعمل الكثير، وسيحاول الاصطياد في المياه العكرة التي تميّز واقع المفاوضات المضطربة مع إيران، وذلك للتخفيف من وقع استبعاده عنها، بعد كل الخدمات التي قدّمها في حربي الاثني عشر يوماً والأربعين يوماً الأخيرة.

ونتنياهو يدرك كذلك أن الرئيس ترمب لن يصغي لتحريضاته على تركيا، وصفقة طائرات الـF35، ذلك أن موقف ترمب ينطلق من حساباته وتقديراته لحجم تركيا ومكانتها الإقليمية والدولية والأطلسية، وليس من خلال مخاوف نتنياهو، سواءٌ أكانت حقيقيةً أم مفتعلةً أو مبالغاً فيها.

ونتنياهو يدرك كذلك أن ظهوره على الشاشات الأميركية، ومهما بلغت براعته الخطابية، لن يوقف المدّ الشعبي الأميركي المتعاظم ضدّ إسرائيل، وحروبها وتحريضاتها ونفقاتها المبالغ فيها، التي تؤخذ من جيب دافع الضريبة الأميركي، وعلى حساب مصالحه ومستوى حياته. كان الكونغرس بالنسبة لنتنياهو الأكثر دعماً وتبنياً وراحةً من الكنيست، حتى إنه ذات مرة زاره، وألقى خطاباً فيه من وراء ظهر الرئيس أوباما.

الكونغرس الآن ليس هو الكونغرس القديم بالنسبة لنتنياهو، الذي يراه كثيرون من أعضائه عبئاً على إسرائيل وأميركا، ما يحتّم استبداله.

في الزيارات التي سبقت هذه الزيارة، كانت طلبات نتنياهو محلّ تفهمٍ وقبول من جانب مضيفيه في البيت الأبيض وباقي المؤسسات الأميركية الرئيسية. أمّا هذه المرة فيبدو أن الأمر مختلف، ونتنياهو الخبير بأميركا كما يدّعي دائماً يعرف ذلك، ولكنه من النوع الذي لا يفوّت فرصة استخدام البيت الأبيض كمنصةٍ انتخابية.