آخر تحديث :الأحد-26 يوليو 2026-04:53م

هرمز وباب المندب… شواهد المناورة الإيرانية البديلة

الأربعاء - 08 يوليو 2026 - الساعة 09:30 ص
صفوان سلطان


بقلم : صفوان سلطان


منذ توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، ومنح الأخيرة نافذة مؤقتة للمرور الآمن في مضيق هرمز، كان واضحاً لكل متابع جاد أننا أمام هدنة تكتيكية مؤقتة، لا تسوية استراتيجية شاملة. واليوم، مع تجدد الضربات الأمريكية على مواقع جنوب إيران والردود الإيرانية بالمسيّرات والصواريخ ضد أهداف بحرية، يلفظ هذا الاتفاق أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الخروقات المتبادلة.


هذا التآكل المتسارع في الخليج، يفسر بوضوح تحركاً إيرانياً موازياً بدأ يتشكل بعيداً عن هرمز، وتحديداً في سماء صنعاء، بما يحمله من دلالات خطيرة على مستقبل الملاحة الدولية.


فحين تضيق مساحة المناورة أمام طهران في هرمز تحت وطأة الردع الأمريكي، وتدرك أن أي تصعيد إضافي هناك قد يجرّها إلى مواجهة شاملة لا تتحمل كلفتها في ظل قيادتها الحالية، تلجأ تلقائياً إلى تفعيل أوراقها البديلة. ورقة توفر لها هامش ضغط موجع دون صدام مباشر مع واشنطن.


هنا تفكك الجغرافيا السياسية لغز التوقيت، فالرحلة الجوية الإيرانية المباشرة التي هبطت في مطار صنعاء في الثالث من يوليو الجاري (وهي الأولى منذ سنوات) لم تكن لنقل "مرضى وعالقين" كما زعمت طهران، بل نقلت خبراء من الحرس الثوري لإدارة العمليات العسكرية، وفقاً لبيان الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية. التوقيت ليس مصادفة، بل هو امتداد لسياسة "تعدد الجبهات" التي تفعلها إيران كلما حوصرت في جبهتها الرئيسية.


تكشف هذه الحادثة أن طهران لا تتعامل مع باب المندب كورقة ضغط احتياطية فحسب، بل تستثمر في تحويله إلى جبهة استراتيجية دائمة. الهدف واضح، فإذا انهارت تفاهمات هرمز كلياً، يكون البديل في البحر الأحمر جاهزاً لفرض كلفة باهظة على الاقتصاد العالمي، ومن زاوية جغرافية معقدة بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر مع الجيش الأمريكي.


هذا هو جوهر الخطر، فمصير التهدئة في مياه الخليج لم يعد مرتبطاً بما يجري هناك، بل بات مرهوناً بما تراكمه طهران من نفوذ وقدرات لدى مليشياته في اليمن. فكلما تعمق هذا الجسر الجوي بين طهران وصنعاء، وتحول من دعم استشاري إلى إشراف تقني ولوجستي مباشر، امتلك الحوثيون قدرة أكبر على تنفيذ ضربات دقيقة ومقلقة للملاحة، متجاوزين أساليب التهريب البحري البطيئة والمعرضة للاعتراض.


بذلك، تتحول الجبهة اليمنية من ملف إقليمي هامشي إلى صمام أمان استراتيجي لتعويض أي تراجع تفرضه موازين القوى في الخليج، وتوظيفه بالتوقيت الذي يخدم مصالح إيران التفاوضية.


أي قراءة لمآلات الصراع الإيراني الأمريكي تتجاهل هذا البعد اليمني هي قراءة قاصرة، فطهران تبني شبكة جبهات متكاملة: هرمز شرقاً، وباب المندب جنوباً وغرباً، لضمان تشتيت قدرة المجتمع الدولي على الاحتواء. وإذا استمر هذا المسار دون رادع، فلن نشهد انهيار مذكرات التفاهم فحسب، بل سنكون أمام واقع مرير تتحول فيه اليمن إلى الساحة الرئيسية لإدارة الحرب الاقتصادية الكبرى ضد العالم.


هذا الواقع يفرض على الشرعية اليمنية حراكاً فورياً لتدويل ملف الجسر الجوي الإيراني، وفرضه كبند رئيسي لا يقبل التأجيل في أي نقاشات دولية تخص أمن الملاحة، بدلاً من تركه كملف مؤجل إلى ما بعد حسم الصراع الأكبر بين واشنطن وطهران.