رؤية نظرية في ترتيب الوظائف السياسية
ليست أزمة كثير من المشاريع السياسية في ضعف الأفكار أو نقص الإمكانات، بل في اختلال ترتيب الوظائف داخل المنظومة السياسية.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى إعادة بناء العلاقة بين الإرادة الشعبية، والمنظِّر السياسي، والممارس السياسي، والإعلام، والاقتصاد، بوصفها منظومة متكاملة، لكل عنصر فيها وظيفة لا يجوز أن ينازع غيره فيها.
ولا تنشأ النظرية السياسية في الفراغ، ولا تستمد مشروعيتها من تماسكها الفكري وحده، وإنما من قدرتها على التعبير عن الإرادة الشعبية وتحويل آمال المجتمع وتطلعاته إلى مشروع وطني واضح.
فالإرادة الشعبية تمنح الشرعية، لكنها وحدها لا تكفي لبناء الدولة، إذ تبقى في حاجة إلى عقل سياسي ينظمها ويحولها إلى رؤية واستراتيجية.
ومن هنا تنبع مهمة المنظِّر السياسي، الذي لا يفرض إرادته على المجتمع، بل يستقرئ تطلعاته، ويصوغها في مشروع قادر على قيادة المستقبل.
ولهذا، فإن النظرية التي تنفصل عن وجدان الناس، مهما بلغت درجة تماسكها، تفقد مبرر وجودها، كما أن الإرادة الشعبية التي لا تتحول إلى رؤية سياسية تبقى مجرد مطالب متفرقة تفتقد القدرة على صناعة التاريخ.
وظيفة المنظِّر ليست إدارة الواقع، وإنما حماية الاتجاه. فهو يحرس المبادئ، ويحدد الغايات الكبرى، ويصوغ النموذج الذي ينبغي أن يهتدي به العمل السياسي.
ولهذا لا يجوز تقييم المنظِّر بقدرته على معالجة التفاصيل اليومية، لأنه يتحرك في فضاء الفكر، لا في ميدان السلطة، ومهمته الأساسية أن يمنع المشروع من الانحراف، وأن يبقي المبدأ حاضراً بوصفه معياراً تُقاس به السياسات، لا ضحيةً لها.
وفي المقابل، يعمل الممارس السياسي داخل عالم مختلف؛ عالم تحكمه موازين القوى، والإمكانات، والضغوط، والتحالفات، وتعقيدات الواقع.
ولذلك فإن نجاحه لا يقاس بمدى تحقيق المثال الكامل، وإنما بقدرته على الاقتراب منه ضمن حدود االمكان والزمان الإمكان . فليس مطلوباً من السياسي أن يحقق مائة في المائة من أهداف مشروعه إذا كانت الظروف لا تسمح إلا بجزء منها، وإنما المطلوب أن يحقق أقصى ما تسمح به الظروف دون أن يفقد الاتجاه الذي رسمته النظرية.
فالمنظِّر يحرس المبدأ، أما الممارس فيحرس المشروع من الاصطدام بالواقع.
ومن هنا فإن العلاقة بينهما ليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل؛ فالأول يحفظ الهوية، والثاني يحفظ القدرة على الإنجاز.
والإعلام من أقوى أدوات التأثير في العصر الحديث، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مرجعية لصناعة القرار.
فالسياسي الرشيد يستفيد من الإعلام لفهم المزاج العام، وشرح سياساته، وبناء الثقة مع المجتمع، لكنه لا يسمح له بقيادة الدولة. إذ إن القرار الذي يُصنع تحت ضغط العناوين الإعلامية أو حملات التواصل الاجتماعي يفقد بعده الاستراتيجي، ويتحول إلى استجابة لحسابات اللحظة.
الإعلام يشرح المشروع السياسي، لكنه لا يصنعه. ويؤثر في الرأي العام، لكنه لا يحل محل القيادة. أما حين يصبح السياسي أسيراً للإعلام، فإنه يتخلى عن وظيفته بوصفه قائداً، ويغدو منفذاً لما يفرضه الضجيج الإعلامي.
وكما لا ينبغي أن تقود وسائل الإعلام السياسة، لا ينبغي أيضاً أن يقودها الاقتصاد.
فالاقتصاد هو مصدر القوة المادية للدولة، لكنه ليس مصدر قرارها. ووظيفة القيادة السياسية أن توظف الاقتصاد لتحقيق التنمية والاستقرار وخدمة المشروع الوطني، لا أن تتحول إلى أداة بيد الأسواق أو جماعات المصالح.
فحين تخضع السياسة للإعلام تضيع الرؤية، وحين تخضع للاقتصاد تضيع الأولويات، أما حين تقودهما معاً فإنها تحافظ على الدولة واتجاهها.
يمكن تلخيص هذه الرؤية في هرم بسيط وواضح:
تبدأ الدولة بالإرادة الشعبية التي تمنح الشرعية.
ثم يأتي المنظِّر السياسي ليحول هذه الإرادة إلى رؤية ومبادئ.
ثم يأتي الممارس السياسي ليترجم الرؤية إلى سياسات وقرارات.
ويأتي الإعلام ليبني الوعي ويشرح المشروع.
ويأتي الاقتصاد ليمنح المشروع القدرة على الاستمرار.
هذا هو الترتيب الطبيعي للوظائف. فإذا انقلب الهرم، وأصبحت السياسة تابعة للإعلام أو الاقتصاد، أو انفصلت عن الإرادة الشعبية، دخلت الدولة في حالة من فقدان الاتجاه، مهما امتلكت من المال أو النفوذ أو أدوات التأثير.
إن القيادة السياسية ليست مجرد إدارة للسلطة، بل هي إدارة للعلاقة بين الفكرة والواقع، وبين المبادئ والمصالح، وبين الحاضر والمستقبل.
فالإرادة الشعبية تمنح الشرعية، والمنظِّر يصوغ الرؤية، والممارس يحولها إلى واقع، والإعلام يخدم المشروع، والاقتصاد يوفر أدواته.
أما السياسة، فهي العقل الذي يقود الجميع، ويحافظ على ترتيب وظائفهم.
وتلك هي القاعدة التي تقوم عليها الدول الراسخة: لا تقود الإعلاماتُ السياسة، ولا تقود الأسواقُ الدولة، بل تقود السياسةُ الإعلامَ والاقتصاد في ضوء نظرية تستمد شرعيتها من إرادة الشعب، وتحول هذه الإرادة إلى مشروع وطني قابل للحياة.
،،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
٧ يوليو ٢٠٢٦م