في عُرف الدول التي تنشد الرقي وتؤمن بمبدأ التداول والبناء، يأتي "التغيير" كخطوة استراتيجية نحو الأفضل؛ دفعةً قوية لعجلة التنمية، وضخاً لدماء جديدة تمنح القيادة خبرات تراكمية، وتُرسخ مفهوم الشراكة الوطنية العابرة للمصالح الضيقة. لكن في اليمن، يبدو أننا نمارس طقوساً معكوسة؛ فالتغيير عندنا لا يولد إلا "الأسوأ"، ويخلق فجوة سحيقة بين القيادة وبين أهدافها، لتتحول المؤسسات في خضم هذا التخبط إلى كانتونات من الكتائب والجماعات التي تقتات على الحقد وتتغذى على ثقافة الانتقام.
إن المشهد في مؤسساتنا بات يبعث على الريبة؛ صراعات داخلية، وتآكل للقيم، ونخرٌ ممنهج للخزينة العامة. لقد تحول "التغيير" إلى وكرٍ لقتل الطموح، حيث يُجبر القائد الجديد على خيارين لا ثالث لهما: إما أن يخضع لابتزاز الفاسدين فيتقاسم معهم المغانم ويفرط في المال العام، أو أن يُحارب ويُحرم من لذة الإنجاز، لتتحول المؤسسة إلى ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من كونها مرفقاً لخدمة المواطن.
فما هو سر هذا الفشل الذي يلاحقنا في كل منعطف؟ ولماذا تُصر قياداتنا على تكرار ذات الأخطاء؟
الواقع يؤكد أن فشلنا "صناعةٌ ذاتية"؛ فالتغيير عندنا لا يأتي وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، بل يولد من رحم المشورة الفاسدة، والوساطات الحزبية، والمحسوبية القبلية، والمجاملات الشخصية، أو حتى كأداة للثأر من منطقة أو فئة. إن بناء المؤسسات على قاعدة "الانتقام" لا يُنتج إلا الخراب، وما لم يغادر هذا النهج دهاليز القرار، فسيظل التغيير في اليمن مجرد "ديكور" لتدمير ما تبقى من هياكل الدولة.
إن التغيير الحقيقي الذي ننشده –والذي يبدو بعيد المنال– هو الذي يقوم على:
العدالة والإنصاف: أن يكون التغيير مدروساً وموجهاً حصراً لإحداث نقلة نوعية وتصحيح المسار، لا لإرضاء المحاسيب.
الرقابة الصارمة: لا تغيير دون يدٍ نظيفة تتابع، وجهة شريفة تُقيم، ومؤسسة –سواء كانت عسكرية أو مدنية– تُحاط بالرعاية والتقدير، لا بالاستغلال.
إدارة المسؤولية: التغيير الناجح يتطلب خططاً عملية تُحيي روح المسؤولية، وتُجدد الطاقة نحو بناء غدٍ يراه المواطن في خدماته ومعيشته، لا في خطابات مسؤولينا.
ختاماً، إن التغيير الذي لا يؤسس لدولة المؤسسات الحديثة، ولا يبني أجهزة أمنية وعسكرية مؤهلة تحمي المواطن من "الاستقواء" و"الاستغلال السلطوي غير الأخلاقي"، هو تغيير عقيم. نحن لا نحتاج إلى تدوير الوجوه بقدر ما نحتاج إلى تدوير القيم وتغيير العقليات التي أفرغت الدولة من محتواها، وجعلت من "التغيير" مجرد رحلة أخرى نحو الأسوأ.
هل تعتقد أن الخلل يكمن في "ثقافة الفرد" التي تهيمن على صناعة القرار، أم أن "نظام المحاصصة" أصبح واقعاً يستحيل تجاوزه في ظل الظروف الراهنة؟