النفعية التاريخية: من الدفاع عن الهوية إلى حسابات النجاة
تاريخياً، تحركت القبيلة اليمنية ككتلة وطنية صلبة في مواجهة الغزو الخارجي، كما حدث في مقاومة الغزوات العثمانية المتكررة والاحتلال البريطاني، مدفوعة بوعي فطري يربط بين الدفاع عن الأرض وصيانة الهوية المشتركة. أما في الصراعات الداخلية، فقد أدارت القبيلة شؤونها بعقلية "المؤسسة السياسية الواقعية" التي تعتمد مبدأ المناورة والمسافة المتساوية بين الخصوم لضمان استقلاليتها الموضعية.
ولم يكن هذا السلوك وليد اللحظة، بل تكشف صفحات التاريخ اليمني عن تكراره في أكثر من منعطف مصيري. ففي العصور الوسطى، تنقلت ولاءات قبائل عديدة بين الدول والقوى المتنافسة، من الصليحيين إلى النجاحيين، ثم بين الأيوبيين والقوى المحلية، ولاحقاً بين الرسوليين والطاهريين، تبعاً لتبدل موازين القوة أكثر من ارتباطها بمشروع سياسي جامع. كما شهد العهد العثماني، في مرحلتيه الأولى والثانية، مشاهد متكررة لقبائل قاتلت إلى جانب الأئمة ضد العثمانيين، ثم عقدت معهم الصلح أو التحالف عندما اقتضت المصلحة، قبل أن تعود إلى مقاتلتهم مع تغير الظروف، وهو ما يعكس غلبة حسابات النفوذ المحلي على ثبات الموقف السياسي.
وتكرر المشهد بصورة أوضح في التاريخ اليمني الحديث. فحين اندلعت الثورة الدستورية عام 1948، مالت قبائل مؤثرة إلى الإمام أحمد بعدما بدا الطرف الأقدر على استعادة السلطة، فسقط المشروع الدستوري سريعاً. ثم جاءت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 لتقدم المثال الأبرز، حيث انقسمت القبائل بين الجمهوريين والملكيين، وانتقلت بعض الولاءات من معسكر إلى آخر تبعاً لتقلب موازين الحرب والدعم الخارجي، حتى شاع الوصف الشهير بأن بعض القبائل كانت "جمهورية نهاراً وملكية ليلاً"، في تعبير رمزي عن أولوية حسابات البقاء على ثبات الاصطفاف السياسي.
ولم يتغير هذا النمط كثيراً في العقود اللاحقة. ففي حرب صيف 1994، ثم خلال أحداث عام 2011، أعادت قوى قبلية عديدة تموضعها مع تغير موازين القوة، قبل أن يتكرر المشهد بصورة أكثر خطورة مع صعود الحركة الحوثية. وهكذا، فإن البراغماتية القبلية التي مكنت القبيلة في مراحل سابقة من الحفاظ على نفوذها المحلي، تحولت تدريجياً من وسيلة للمناورة إلى ثقافة سياسية راسخة جعلت كثيراً من القوى القبلية تعتقد أن بإمكانها التكيف مع أي مشروع صاعد مهما كانت طبيعته.
غير أن هذا السلوك النفعي التقليدي واجه اختباره القاتل والنهائي مع صعود الحركة الحوثية وانطلاقها من جبال صعدة وصولاً إلى السقوط المروع للعاصمة صنعاء في سبتمبر 2014. هنا، تحولت النفعية من أداة للمناورة إلى شرك تاريخي أحكم إغلاقه على الجميع.
انشطار المركز والوقوع في وهم "النجاة الذاتية"
إن السقوط الدراماتيكي لمدن الشمال والوسط اليمني لم يكن ناتجاً عن تحول عقائدي جماعي نحو الفكر السلالي الحوثي، بل كان ثمرة مباشرة لتفجّر "المثلث الحاكم" التقليدي (العسكر، والقبيلة، والإسلام السياسي) في أعقاب أحداث عام ٢٠١١. ومع تحول حلفاء الأمس إلى خصوم لدودين يخوضون حرب وجود، جرى استغلال القبيلة كأداة لتصفية الحسابات السياسية والنكايات الحزبية الضيقة.
في تلك اللحظة الفارقة، وقعت كبريات القبائل اليمنية (لا سيما حاشد وبكيل وقبائل طوق صنعاء) في خطأ استراتيجي وتاريخي غير قابل للغفران؛ إذ تعاملت مع الحركة الحوثية باعتبارها مجرد "طرف سياسي تقليدي" آخر يمكن مجاراته، أو تقديم تنازلات مؤقتة له عبر "عهود صلح وأمان" منفردة. ساد وهم جارف بأن تقديم ممرات آمنة للصلف الحوثي سيضمن نجاة الكيان القبلي ويجنب المجتمعات المحلية كلفة المواجهة المسلحة.
لقد غاب عن ذهنية المشايخ والوجهاء المعطى الأهم: أنهم لا يواجهون خصماً سياسياً يمنياً تقليدياً يقبل بالمساومة، بل يتعاملون مع حركة عقائدية شمولية، تنظر إلى العرف القبلي كرجس جاهلي، ولا ترى في القبيلة إلا مخزناً بشرياً للوقود ووسيلة مرحلية للتمدد. وعندما اختارت هذه القبائل الحياد السلبي أو تسهيل خطوط المرور، مرسخةً مبدأ "أنا وبعدي الطوفان"، كانت في الحقيقة تنتزع مسمار الأمان من نعش الدولة الوطنية الجامعة — على كل ما فيها من عيوب وتهميش — لتجد نفسها عارية تماماً بلا سقف سيادي يحميها.
آلية الإخضاع وهندسة الهوان
كانت النتيجة التاريخية لسوء التقدير هذا باهظة ومزلزلة. فالقبيلة التي توهمت أنها تحمي أسوارها بالمهادنة، غدت الضحية الأولى لعملية تجريف وإذلال ممنهجة قل نظيرها في التاريخ اليمني. وبمجرد أن أحكمت سلطة الأمر الواقع الحوثية قبضتها على مؤسسات الدولة، انتقلت فوراً من مرحلة "الاستيعاب والملاينة" إلى مرحلة "التطويع والكسر"، مستخدمةً استراتيجية نفسية واجتماعية شديدة الخبث:
تقويض الرمزية والتراتبية التاريخية:
جرى استهداف وتصفية المشايخ الذين سهلوا دخول الجماعة بمجرد انتهاء صلاحيتهم الوظيفية. أما من بقي منهم حياً، فقد جُرد من مكانته المعنوية ليتحول إلى مجرد "مُجبي أموال" أو "حاشد مقاتلين" تحت إمرة "المشرف العقائدي"، الذي غالباً ما يكون يافعاً بلا رصيد اجتماعي، ولكنه يملك سلطة مطلقة مستمدة من سلاليته ومسدسه.
الردع النفسي بتفجير البيوت:
اتخذت الجماعة من تفجير منازل وجهاء القبائل ومنافسيها أداة ممنهجة لكسر الكبرياء الجمعي. وفي الوجدان النفسي القبلي اليمني، لا يمثل المنزل مجرد جدران خرسانية، بل هو رمز الوجود السياسي والاجتماعي للشيخ وملاذ "الذمار". فتفجيره يعني رمزياً سحق الوجاهة، وهتك الحرمة، وإعلان نهاية وجود ذلك المكون الاجتماعي.
تأميم "النكف" وصناعة مشايخ الظل:
لتجاوز التراتبيات التاريخية العصية على التطويع الكامل، أسست الجماعة "مجلس التلاحم القبلي" ككيان موازٍ لصناعة مشايخ من الدرجة الثالثة والرابعة (مشايخ الظل) وإحلالهم بدلاً من البيوتات التاريخية. كما تم "تأميم النكف القبلي" — الذي كان تاريخياً أداة تضامنية لرفع المظالم والدفاع عن المظلوم — ليصبح وسيلة إكراه رسمية تُجبر القبائل على تقديم فلذات أكبادها وقوداً لحرب عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
ما بعد الدرس: هل تتكرر الحلقة؟
إن قراءة التاريخ اليمني الحديث تكشف أن علاقة القبيلة بالدولة مرت بثلاث محاولات كبرى، لكل منها فلسفتها الخاصة. حاول القاضي عبد الرحمن الإرياني احتواء القبيلة وإدماجها تدريجياً في مشروع الدولة، معتقداً أن نمو المؤسسات كفيل بتقليص النفوذ التقليدي من دون صدام. ثم جاء إبراهيم الحمدي مؤمناً بأن الدولة لن تقوم ما لم تتحرر من هيمنة مراكز القوى القبلية والعسكرية، فسعى إلى إعادة الاعتبار للمؤسسة على حساب النفوذ الشخصي. أما علي عبد الله صالح، فقد أعاد إنتاج المعادلة بصورة معاكسة، حين جعل القبيلة أحد أعمدة السلطة، وأعاد دمجها في شبكة المصالح والولاءات التي قامت عليها الدولة نفسها.
غير أن المفارقة التاريخية الكبرى تمثلت في أن هذه المراحل الثلاث، على اختلاف رؤاها، انتهت جميعاً إلى حقيقة واحدة: لا القبيلة استطاعت أن تحل محل الدولة، ولا الدولة استطاعت أن تستقر وهي خاضعة لتوازنات القبيلة. وعندما انهارت مؤسسات الجمهورية في عام 2014، اكتشفت القبيلة أنها لم تكن قد ورثت الدولة، بل فقدت معها المظلة الوحيدة التي كانت تحفظ مكانتها واستقلالها.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ستحسم إجابته ملامح اليمن القادم: هل ستقرأ القبيلة هذه التجربة باعتبارها درساً تاريخياً يؤسس لعلاقة جديدة مع الدولة، أم ستعيد إنتاج البراغماتية نفسها مع أي مركز قوة جديد؟ إن التاريخ لا يعاقب الشعوب لأنها أخطأت، بل لأنها تكرر الخطأ ذاته وهي تظن أنه أصبح حكمة.