آخر تحديث :الثلاثاء-07 يوليو 2026-09:16م

بعد سنوات العطاء... هل يستحق المتقاعد حياةً تليق بتضحياته؟

الثلاثاء - 07 يوليو 2026 - الساعة 06:40 م
شهد سامي


بقلم: شهد سامي الحشيبري


ليس أصعب على الإنسان من أن يقضي سنوات عمره في خدمة وطنه، ثم يجد نفسه بعد التقاعد يخوض معركة جديدة عنوانها تأمين أبسط مقومات الحياة. فالتقاعد الذي يُفترض أن يكون مرحلةً ينعم فيها الإنسان بالاستقرار والراحة، أصبح بالنسبة لكثيرين بدايةً لمعاناة لا تنتهي، تفرضها الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.


لقد أفنى آلاف الموظفين أعمارهم بين المكاتب، والمدارس، والمستشفيات، والمؤسسات المختلفة، مؤمنين بأن سنوات الخدمة ستمنحهم مستقبلًا آمنًا بعد انتهاء مسيرتهم العملية. لكن الواقع جاء مختلفًا؛ إذ اصطدم كثير من المتقاعدين بدخلٍ محدود لم يعد قادرًا على مواكبة الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء والدواء والإيجارات والخدمات الأساسية.


وما يزيد من قسوة المشهد أن المتقاعد لا يحمل مسؤولية نفسه فقط، بل يقف خلفه بيتٌ كامل ينتظر منه توفير احتياجاته. أبناء ما زالوا يدرسون، وأدوية يحتاجها كبار السن، والتزامات معيشية لا تتوقف، بينما يبقى الدخل ثابتًا، عاجزًا عن ملاحقة متطلبات الحياة التي تتضاعف يومًا بعد آخر.


ولا تقتصر المعاناة على المتقاعدين وحدهم، فهناك شريحة واسعة من الموظفين ذوي الدخل المحدود يعيشون الظروف ذاتها، ويكافحون كل شهر لتغطية نفقات أسرهم. أصبح الراتب ينتهي قبل أن ينتهي الشهر، وأصبحت الأسر تضطر إلى الاستغناء عن كثير من احتياجاتها الأساسية حتى تتمكن من الاستمرار.


إن القضية لم تعد قضية دخلٍ ضعيف فحسب، بل أصبحت قضية كرامة إنسانية واستقرار اجتماعي. فحين يعجز من خدم وطنه سنوات طويلة عن توفير احتياجاته الأساسية، فإن ذلك ينعكس على أسرته، وعلى شعوره بالأمان، وعلى ثقته بأن سنوات عطائه كانت محل تقدير.


إن تحسين أوضاع المتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود ليس مطلبًا ترفيهيًا، بل ضرورة تمس حياة آلاف الأسر. فالمجتمعات التي تكرّم أبناءها بعد سنوات الخدمة، هي مجتمعات تؤمن بأن الوفاء لا ينتهي بانتهاء الوظيفة، وأن الإنسان يستحق حياة كريمة في جميع مراحل عمره.


إن هذه القضية تستحق وقفة جادة، وخططًا واقعية تراعي الظروف الاقتصادية الصعبة، وتبحث عن حلول تُخفف الأعباء عن الفئات الأكثر تأثرًا. فالمواطن لا يطلب المستحيل، بل يطالب بحقه في حياة تحفظ كرامته، وتمنحه الشعور بالأمان بعد سنوات طويلة من البذل والعمل.


ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة صادقة:


هل يكون التقاعد نهايةً للعطاء فقط... أم نهايةً لحق الإنسان في أن يعيش بكرامة؟