اليوم، السابع من يوليو، ليس مجرد تاريخ عابر في الذاكرة اليمنية، بل هو محطة فارقة تختزن في تفاصيلها الكثير من الأسئلة حول مسار الشراكة الوطنية ومستقبل الدولة. ففي هذا اليوم، تعود الذاكرة إلى لحظة مفصلية من تاريخ اليمن، حين تحولت الخلافات السياسية إلى حرب عام ١٩٩٤، وما ترتب عليها من تداعيات عميقة ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.
لقد كان الأمل أن تكون الوحدة اليمنية بداية لعهد جديد من الشراكة والتكامل وبناء دولة يتساوى فيها الجميع، غير أن ممارسات ما بعد الحرب أوجدت شعوراً واسعاً لدى كثير من أبناء الجنوب بأن الشراكة التي حلموا بها لم تتحقق، وأن الإقصاء والتهميش حلا مكان التوافق والعدالة.
وكان هذا التحول من أبرز أسباب الأزمات التي توالت لاحقاً؛ فحين يُحرم مجتمع أو مكون من حقوقه، وتُمارس ضده سياسات التهميش والإقصاء، فإن ذلك يؤدي إلى تراكم الاحتقان واتساع الفجوة بين مكونات الوطن. وهذا ما حدث في الجنوب، حيث تعرضت كوادر كثيرة للإبعاد، وتراجعت مؤسسات اقتصادية، وتمركزت الثروة والخدمات في مناطق محددة، بينما شعر قطاع واسع من أبناء الجنوب بأنهم فقدوا موقعهم كشركاء متساوين.
وتأتي ذكرى السابع من يوليو هذا العام في ظل مشهد سياسي أكثر تعقيداً، حيث شهدت الساحة الجنوبية تطورات متسارعة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل القضية الجنوبية وطبيعة الدولة المنشودة. فقد برزت مشاريع سياسية جديدة وخطوات تصعيدية تعكس حجم التحولات التي شهدها المشهد خلال السنوات الماضية، وتؤكد أن استمرار تجاهل جذور الأزمة لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار.
وفي المقابل، ما زالت التدخلات الإقليمية ومسارات إعادة ترتيب المشهد السياسي تلقي بظلالها على الواقع اليمني، وسط مخاوف من إعادة إنتاج صراعات الماضي بأساليب جديدة، ومن استمرار منطق الغلبة على حساب بناء شراكة وطنية حقيقية تستند إلى العدالة والاحترام المتبادل.
وسط هذا المشهد، يبرز موقف الحزب الاشتراكي اليمني بوصفه أحد الأطراف التي حملت مشروعاً وطنياً ومدنياً، وتمسكت بخطاب الدولة والقانون، ودافعت عن قيم المواطنة والعدالة بعيداً عن خطاب الكراهية والعنف. فقد كان الحزب شريكاً في مشروع الوحدة، وظل يؤكد أن الوحدة الحقيقية لا تُبنى إلا على الشراكة المتكافئة واحترام حقوق الجميع.
ومن موقعي الشخصي، أفتخر بانتمائي إلى الحزب الاشتراكي اليمني، ذلك الحزب الذي ارتبطت مسيرته السياسية بقيم الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية. إن هذا الانتماء بالنسبة لي ليس مجرد انتماء تنظيمي، بل هو ارتباط بمبادئ أؤمن بها؛ مبادئ تؤكد أن الوطن لا يُبنى بالإقصاء، وأن الإنسان يجب أن يكون محور أي مشروع سياسي، وأن الحوار والشراكة هما الطريق لمعالجة الخلافات وصناعة المستقبل.
وفي خضم هذا الاحتقان السياسي، لم يعد الشارع الجنوبي بمعزل عن هذه التحولات، إذ شهدت عدن وغيرها من المناطق احتجاجات شعبية ارتبطت بالأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية وأزمة الرواتب، وهو ما يؤكد أن الأزمة السياسية أصبحت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بحياة المواطنين اليومية، وأن أي حل حقيقي لا بد أن يضع الإنسان واحتياجاته في مقدمة الأولويات.
كما أن الدعوات لعقد لقاءات ومؤتمرات تضم مختلف القوى الجنوبية تفتح باباً للنقاش حول ضرورة تجاوز فكرة التمثيل الأحادي، والاعتراف بتعددية الأصوات والرؤى، وصولاً إلى صياغة حلول واقعية تحفظ الحقوق وتؤسس لسلام مستدام.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الصراعات والاستنزاف، تبدو الحقيقة واضحة بأن اليمن كان الخاسر الأكبر في كل جولة صراع، وأن معالجة الأزمات لا تكون بإنكار الواقع أو العودة إلى منطق القوة، بل بالاعتراف المتبادل بالحقوق والخصوصيات التاريخية وبناء صيغة جديدة للعلاقة بين أبناء الوطن.
إن الخيار أمام اليمنيين اليوم هو بين استمرار دائرة النزاع والاستنزاف، أو البحث عن حلول عادلة تحفظ الكرامة والحقوق وتفتح طريقاً جديداً للسلام والاستقرار. فالمستقبل لا يصنعه إنكار الحقائق، بل شجاعة مواجهتها وبناء علاقة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والإرادة المشتركة، بعيداً عن عناد الماضي وثقافة الإقصاء التي أهدرت عقوداً من عمر الوطن.