آخر تحديث :الأربعاء-08 يوليو 2026-10:06م

الصبر تحت ظلال الشتات "بحور المآسي "(23)

الثلاثاء - 07 يوليو 2026 - الساعة 03:37 م
حسين سالم السليماني


ألقت "أم معين" بجسدها الواهن فوق صغارها، كطائر جريح يبسط جناحيه ليحمي فراخه من عاصفة هوجاء. ارتجف صوتها وهي تستجدي القساة: خذوني إلى أي بلادٍ قاصية، واصنعوا بي ما شئتم، لكن لا تريقوا دماء صغاري أمام عيني!.

في تلك اللحظة الحرجة، انتصبت زوجة سعيد (ابنة عم المعتدين) كالسد المنيع، وصرخت في وجوههم بلهجة لا تخلو من تهديد: من تجرأ وخطا خطوة نحو هؤلاء اليتامى، فليتحمل غضبة أبي وعمي! ارتدوا إلى ورائكم، فما هكذا تُعامل الحرائر!. وبينما كانت المشادات تحتدم، تقدمت "فاطمة" الرزينة، وخاطبت "ريشة" زوجة ثابت بلغة تلامس جشعها: اتقِ الله يا ريشة، ألا ترين انكسارهم؟ دعيهم يرحلون، فقد تركوا لكم الأرض الواسعة بما رحبت، ولم يبق لهم إلا أرواحهم، فما حاجتكم بأجساد أنهكها اليتم والفاقة؟.

لمعت فكرة الاستحواذ على الأرض في مخيلة "ريشة"، فأشارت إلى أبنائها بالكفّ عن القتل، وقالت بسخرية لاذعة: اتركوهم لشتاتهم، فلا خير في نصر يلوثه صياح نساء لا يعرفن الخجل!.


انطلقت "أم معين" تنهب الأرض نهباً، تسابق الريح خوفاً من غدر يتربص بها. كانت تمشي فوق الصخور الحادة والأشواك الدامية، ولم تشعر بأن قدميها ترسمان أثراً من الدم على الحجارة. كانت تحمل طفلين على صدرها، بينما يهرول الثالث خلفها، والدموع تغسل وجوههم الشاحبة.

عندما بلغت تلة صغيرة، التفتت خلفها برعب غريزي، فلما لم تجد أحداً، سقطت مغشياً عليها من فرط الإعياء. كان طفلها الصغير الذي يتبعها قد أدمت الأشواك قدميه، وسقط مراراً على صدره وبطنه حتى امتلأ جسده بخدوش تحكي قصة الهروب المرير.

جلسوا هناك، والشهيق يمزق صدورهم النحيلة. كانت أضلاعهم بارزة خلف أسمالهم البالية، وبطونهم خاوية تصفر فيها ريح الجوع. نظرت الأم إلى طفلها الجريح، الذي قال ببكاء يقطع نياط القلب: يا أماه، لم أعد أقوى على خطوة واحدة.. بطني تؤلمني من الداخل يا أماه!.


بكت الأم لبكائه، ثم تحاملت على جراحها وقالت بحنان موجع: هانت يا بني، سنرتاح تحت ظل تلك الشجرة، بعيداً عن عيون الأشقياء، حتى يبعث الله لنا عابراً يحملكم على دابة نحو ديار أهلي.

وصلوا إلى شجرة وارفة الظلال، فجادت عليهم الأرض ببعض الثمار البرية (الفاتيخ)، فأكلوا منها حتى سكن روعهم قليلاً، ثم غطوا في نوم عميق من فرط الإجهاد. وفي غمرة نومها، هجمت الكوابيس على "أم معين"؛ رأت "ثابت" وأبناءه يحيطون بها تحت الشجرة، ويأمرون بإلقاء صغارها من فوق شاهق الجبل.

استيقظت الأم بصرخة مدوية هزت أركان المكان، صرخة مزقت سكون الطريق المجاور. هرع إليها عابرو السبيل ورجال كانوا يطوون الدرب، ليجدوا امرأة تتفحص أطفالها بذعر وهي تنتحب. وبينما كانت تفتح عينيها وسط ضجيج الرجال المتحلقين حولها، رأت من بينهم وجوهاً تعرفها.. وجوهاً قادمة من القرية التي ظنت أنها خلفت مآسيها وراء ظهرها!

..................•................

وللقصة بقية..