أيها السادة القائمون على إدارة شؤون الوطن، أيها المسؤولون الذين ائتمنهم الشعب على إدارة مؤسسات الدولة وصون مصالح المواطنين..
أكتب هذه الكلمات ليس بدافع الخصومة، ولا رغبة في توجيه الاتهامات، وإنما انطلاقاً من واجب وطني يمليه الضمير، وإيماناً بأن النقد المسؤول هو أحد أهم وسائل الإصلاح. فما يمر به الوطن اليوم لم يعد يحتمل المجاملة أو الصمت، بل يحتاج إلى مراجعة جادة وشجاعة تعيد تصويب مسار الإدارة العامة.
لقد ظن المواطنون أن الحرب ستكون أقسى ما سيواجهونه، غير أنهم اكتشفوا أن آثارها تجاوزت الدمار الذي أصاب المدن والطرق والمدارس والمستشفيات، لتطال مؤسسات الدولة نفسها، عندما تراجعت معايير الكفاءة، وتقدمت الاعتبارات الضيقة في صناعة القرار، فضعفت الإدارة، وتعطلت الخدمات، وازدادت معاناة المواطنين.
إن الأزمة التي تعيشها البلاد اليوم ليست أزمة موارد فحسب، بل هي في جوهرها أزمة إدارة وحوكمة وغياب للمعايير المؤسسية. فالدول لا تنهض بالإمكانات وحدها، وإنما بالإدارة الرشيدة التي تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتجعل الكفاءة والنزاهة والخبرة أساساً لتولي المسؤولية.
أما حين تبنى التعيينات على المحاصصة، أو العلاقات الشخصية، أو الولاءات الحزبية، أو الاعتبارات المناطقية والقبلية، فإن النتيجة تكون إدارة عاجزة عن مواجهة التحديات، مهما كانت الشعارات المرفوعة أو النوايا المعلنة.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق القيادة السياسية والحكومة، بوصفهما الجهة التي تصنع القرار وتتحمل نتائجه. فكل قرار إداري ناجح ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين، وكل قرار غير مدروس يدفع المواطن وحده ثمن إخفاقه.
إن المناصب العامة ليست مكافآت سياسية، ولا أدوات لتحقيق التوازنات الضيقة، بل هي تكليف ومسؤولية وطنية. ومن يتولى إدارة مؤسسة أو محافظة أو مديرية يجب أن يمتلك الخبرة الإدارية، والقدرة على التخطيط واتخاذ القرار، وفهم احتياجات المجتمع، والقدرة على إدارة الأزمات، لأن نجاح المؤسسات يبدأ من حسن اختيار قياداتها.
لسنا ضد أي شخص، ولا نستهدف أحداً بعينه، وإنما ندافع عن مبدأ ثابت لا ينبغي التنازل عنه، وهو أن تكون المصلحة العامة فوق كل اعتبار. فقد أثبتت التجارب أن المجاملات لا تبني دولة، والمحاصصة لا تصنع مؤسسات، بينما تظل الكفاءات الحقيقية خارج دائرة القرار، فتخسر الدولة أهم مواردها، وهو الإنسان المؤهل.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من الأزمات، لم يعد مقبولاً إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها، أو تجاهل الخبرات الوطنية القادرة على تقديم حلول أكثر واقعية ونضجاً. فإعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص، وترسيخ الشفافية، وإسناد المسؤولية لمن يستحقها وفق معايير واضحة ومعلنة.
كما أن نجاح أي مسؤول لا يقاس بعدد القرارات التي يصدرها، وإنما بقدرته على تنفيذها، ومتابعة نتائجها، وتصحيح مسارها عند الحاجة. والإدارة الناجحة تقوم على الرقابة والتقييم والمحاسبة، فلا مكان فيها لحصانة المقصر أو حماية الفاسد، لأن غياب المساءلة هو البيئة التي ينمو فيها الفساد وتتراجع فيها هيبة الدولة.
ومن مظاهر الإدارة الرشيدة أيضاً الاستفادة من الخبراء والمتخصصين وأصحاب التجربة، فالمؤسسات القوية لا تدار بعقل الفرد، وإنما بتكامل الخبرات وتبادل الرأي. وكل قرار يجب أن يبنى على الدراسة والتشاور، وأن يضع في مقدمة أولوياته تحسين الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، والمياه، والصحة، والتعليم، والنظافة، والبنية التحتية، لأنها تمثل المعيار الحقيقي لنجاح أي إدارة.
لقد صبر المواطن سنوات طويلة على الحرب، ثم صبر على الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، ولم يعد يطالب بالمستحيل، بل بحقه الطبيعي في دولة تحكمها المؤسسات، ويسود فيها القانون، وتدار بالكفاءة لا بالمحسوبية، وبالعدالة لا بالمجاملات.
إن الوطن بحاجة إلى مسؤولين ينزلون إلى الميدان، ويستمعون إلى المواطنين، ويجعلون من معاناتهم بوصلة لقراراتهم، ويقيسون نجاحهم بما يتحقق على أرض الواقع، لا بما تتضمنه التقارير أو تروجه البيانات الإعلامية. فالإدارة الناجحة تقاس بتحسن حياة الناس، وتعزيز ثقتهم بالدولة، وترسيخ قيم العدالة وسيادة القانون.
إن استمرار النهج القائم على العاطفة والمحاصصة والمجاملات لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات وتعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع. أما الانتصار للكفاءة، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتفعيل الرقابة والمحاسبة، واحترام سيادة القانون، فهو الطريق الأقصر نحو استعادة هيبة الدولة، وبناء مؤسسات قوية، واستعادة ثقة المواطن في وطن يستحق إدارة أفضل ومستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: متى يصبح معيار الكفاءة هو أساس القرار، فتبدأ رحلة الإصلاح الحقيقي، ويستعيد الوطن ما فقده من فرص وثقة وأمل؟