آخر تحديث :الإثنين-06 يوليو 2026-08:57م

تراجع الهوية البرازيلية.. من سحر الأساطير إلى نمطية المنظومة الأوروبية

الإثنين - 06 يوليو 2026 - الساعة 03:17 م
خالد مبروك غالب



يعيش المنتخب البرازيلي لكرة القدم اليوم أزمة هوية لا تشبه أي أزمة مضت. لم تعد المشكلة في نتيجة أو مدرب، بل في الروح التي كانت تعرّف السامبا. الجماهير والمحللون يتحدثون عن غياب جيل "الفطرة العبقرية"، وعن تحول الفريق إلى مجموعة لاعبين جيدين تكتيكياً، لكن بلا ذلك البريق الفردي الذي كان يكسر قوانين المنطق في لقطة واحدة.


المقارنة قاسية وحتمية. بين زمن كان يضم بيليه ورونالدو ورونالدينيو وكاكا، وزمن يبحث فيه المنتخب عن قائد وعن لحظة ارتجال وعن من يحسم البطولات الكبرى في اللحظات التي يتوقف فيها كل شيء.


هذا التراجع له جذور عميقة. بدأت مع "الأوربة المبكرة"، حين صارت الأندية الأوروبية تخطف المواهب في سن السادسة عشرة. يصل اللاعب إلى أوروبا قبل أن يكتمل تشكله البرازيلي، فيمسح النظام الصارم الهوية الفطرية ويحوله إلى ترس داخل آلة لا مكان فيها للارتجال.

وفي الوقت نفسه اختفت كرة الشوارع وكرة الصالات التي كانت تصنع المهارة في المساحات الضيقة. حلت مكانها أكاديميات حديثة تمنح اللياقة والانضباط، وتسلب الخيال والجرأة.


تزامن ذلك مع فراغ مؤلم في مراكز الحسم التي صنعت مجد البرازيل. لا مهاجم رقم تسعة كلاسيكي ينهي الهجمة ببرودة، ولا صانع ألعاب عشرة يحمل الفريق على كتفيه حين يضيق الخناق. وأضف إلى ذلك عقلية جديدة تشكلت على العقود المليونية المبكرة وبريق السوشيال ميديا، فتراجع الجوع الكروي وبهت الشغف من أجل قميص "السيليساو".


الأرقام وحدها تروي القصة. غاب لقب كأس العالم منذ عام 2002. وجاءت سنوات من التخبط الفني مع وعود لم تتحقق، وصولاً إلى تراجع غير مسبوق في التصفيات، وخروج موجع من كوبا أمريكا. وحين استنجدت البرازيل بخبرة كارلو أنشيلوتي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، كان الاختبار الأصعب في مونديال 2026. سقوط مبكر أمام النرويج كشف كل شيء: عقم هجومي، وغياب شخصية، ونجوم كبار في أوروبا لم يستطيعوا ترجمة بريقهم إلى اللون الأصفر.


فينيسيوس جونيور لم ينجح في نقل سحره من مدريد إلى المنتخب. ورروديغو غوس بدا عاجزاً عن حمل ثقل القميص رقم عشرة. المشهد كاملاً يقول شيئاً واحداً: ارتداء قمصان الكبار في أوروبا لم يعد كافياً لاستعادة هيبة السامبا.


البرازيل اليوم لا تحتاج فقط لخطة جديدة. تحتاج لاستعادة ذلك الجنون الجميل، وذلك الجوع الذي كان يجعل اللاعب يركض من أجل المجد لا من أجل العقد. تحتاج لشوارع تعيد اختراع المهارة، ولأكاديميات تحترم الإبداع بدل أن تقتله.


وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى السامبا ذكرى نغنيها بحنين، وفريقاً من المواهب الجيدة التي تبحث عبثاً عن قائد تاريخي يعيدها إلى الذهب.