ساد الهرج أرجاء القرية، واحتشد الناس حول "الأرملة" وهي تتمرغ في تراب الأرض بجانب بيت "أم معين" الخاوي، تذرف دمعاً حارقاً كأنها شاة تذبح، تبكي فجيعة لم تدرك كنهها بعد، لكن قلبها المكلوم أنبأها بوقوع المصيبة. كانت تصرخ بصوت يمزق نياط القلوب: وا حزناه على أم معين! فُجعت بزوجها البطل من قبل، واليوم نعدم أثرها وأثر صغارها.. فأي ريح عصفت بهم؟!.
سالت دموع النساء تأثراً بمشهدها، حتى تقدمت "ريشة" زوجة ثابت؛ امرأة قُدّت من صخر، تفوق زوجها في المكر والغل. قبضت على خصلات شيب الأرملة من الخلف وقالت بنبرة تقطر سماً: ما هذا العويل على سراب؟ وما هذا الضجيج في وضح النهار؟ .
ردت الأرملة بشموخ المنكسر: أبكي أحبابي يا ريشة، وأرثي قلوباً خلت من الرحمة كقلبكِ! .
لم تأبه "ريشة" للكلمات، بل استدارت كالفعى تخاطب حاشيتها: "انظروا.. لقد كشفت لنا هذه المجنونة ما كان طي الكتمان! لقد تسللوا خلسة للقاء السارق (معين). هيا يا رجالي، يا عزوتي وأبطالي، اليوم يوم القصاص من معين وعصبته. نادت أبناء زوجها فاستجابوا لها شاهرين بنادقهم، والشر يتطاير من مآقيهم، مستغلين غياب والدهم في (عدن) ليرتكبوا مجزرة تروي غليل أحقادهم.
في زاوية أخرى، كانت النساء يعاتبن الأرملة بمرارة: لماذا يا امرأة؟ لماذا هتكتِ ستر "سعيد" وهو الرجل التقي الرحيم؟. غطت الأرملة وجهها بكفيها وندم قاتل يمزق أحشاءها: والله ما أردت إلا حباً، لكن الحزن غلبني، فصرت سوطاً في يد أعدائهم بلا قصد.
وسط هذا المحيط من اليأس، انسلّت امرأة تدعى "فاطمة؛ رزانة العقل تسكن وقارها. مضت نحو "سعيد" وسألته في عجل: يا سعيد، غابت زوجتك واضطربت القرية، فما الخبر؟ لعلنا ندرك ما يمكن إدراكه. قصّ عليها سعيد الخبر بقلب يرتجف، فانطلقت فاطمة كالبرق تسبق خطى الموت.
وصلت إلى الوادي القريب، فكان المشهد حابساً للأنفاس: أولاد ثابت يحاصرون "أم معين" وصغارها كذئاب تحيط بفريسة، يوجهون فوهات بنادقهم نحو صدور الأيتام، بينما تقف زوجة سعيد (ابنة عمهم) كالطود العظيم، تفدي بصدرها الصغار وتصيح فيهم أن يتقوا الله.
وصلت "ريشة" إلى قلب الوادي، وراحت تنفخ في كير الفتنة، تحرض أبناء زوجها على سفك دم الإخوة الصغار لـ"معين". تقدمت فاطمة، العظيمة بموقفها، وقبضت على معصم ريشة بقوة وهي تقسم عليها بكل مقدّس أن ترفع يدها عنهم.
لكن "ريشة" سحبت يدها بغلظة وقالت ببرود جنائزي: بيننا وبينهم الرصاص.
وفي تلك اللحظة الرهيبة، دوت في أرجاء الوادي صرخة "أم معين"؛ صرخة زلزلت السكون، وهزت رواسي الجبال، واستنزلت دمع السماء.. صرخة اختصرت كل أوجاع الأرض وهي ترى الموت يبرق في فوهات البنادق "لا.. لا.. ألف لا!"
................•................
وللقصة بقية...