كانت أمي حين تعود من رحلاتها إلى مدينة عدن، تروي بحماسةٍ لا تخلو من الدهشة حكاية مدينةٍ مختلفة تماماً عمّا نعرفه اليوم. كانت تتحدث عن الماء لا بوصفه موردًا شحيحاً أو أزمةً محتملة، بل كحقيقة يومية بديهية: يصل إلى كل بيت بسهولة، وينساب في الأنابيب دون انقطاع يُذكر، حتى إن "خزانات المياه" لم تكن جزءاً من مشهد أسطح المنازل، لأن الحاجة إليها لم تكن قائمة أصلًا. كانت المدينة تعيش حالة من التصالح مع احتياجاتها، حيث يتدفق المورد السيادي دون ضجيج، ليغسل صيفها اللاهب ويمنح سكانها استقراراً لم يدركوا قيمته إلا حين فقدوه.
تلك الصورة، التي بدت أقرب إلى الذاكرة المثالية، لم تلبث أن تآكلت مع الزمن. فمع نهاية تسعينيات القرن الماضي، بدأت عدن تدخل مرحلة جديدة تتبدل فيها البديهيات واحدة تلو الأخرى. ومن بين أكثر التحولات قسوةً ووضوحاً، برزت أزمة الماء، لا كخللٍ عابر في الخدمة، بل كبداية لسلسلة ممتدة من الاختلالات البنيوية التي أعادت تعريف العلاقة بين المدينة وأبسط مقومات الحياة فيها.
عبقرية "الطاهريين": حين قهرت الهندسة قسوة الجغرافيا
ليست أزمة المياه في عدن حدثاً طارئاً، بل هي قصة ممتدة في عمق التاريخ، تشكّلت ملامحها منذ أن وجدت المدينة نفسها في بيئة جافة ومحدودة الموارد. فعدن، بتكوينها الجيولوجي البركاني، لم تكن يوماً مدينة أنهار، بل مدينة تعتمد على المطر الموسمي وما يمكن للعقل البشري أن يبتكره لتطويع الطبيعة.
في هذا السياق الصعب، برزت تجربة الدولة الطاهرية كواحدة من أكثر المحطات إشراقاً. لم يتعامل السلطان عامر بن عبدالوهاب مع المشكلة بوصفها ظرفاً طارئاً، بل باعتبارها تحدياً هندسياً يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز فكرة "الصهاريج" التقليدية.
ملحمة القناة: شريان الحياة العابر للفيافي
لقد أدرك الطاهريون أن الاعتماد على الأمطار وحدها في مدينة بركانية كعدن هو مقامرة بالاستقرار؛ لذا قرر السلطان عامر بن عبدالوهاب تنفيذ مشروع هو الأضخم في عصره: شق قناة مائية عملاقة لنقل مياه السيول من خارج بركان عدن إلى قلبه.
لم يكن شق هذه القناة مجرد عمل يدوي، بل كان هندسة دقيقة راعت انحدار الأرض ومسارات الوديان. بدأت القناة من المناطق الشمالية والشرقية الوفيرة مائياً (خارج أسوار المدينة المنيعة)، وامتدت لعدة أميال عبر تضاريس وعرة. بُنيت القناة بمواد صلبة ومقاومة للتسرب، وجُهزت بمنافذ دقيقة لتصريف الرواسب وضمان وصول المياه بصفاء ونقاء.
كانت هذه القناة تصب مباشرة في صهاريج أسفل عقبة بوابة عدن ثم تنقل بالجمال لتصب في خزانات (صهاريج الطويلة)، محولةً إياها من مجرد مخازن لمياه المطر العابرة إلى مستودعات استراتيجية تتغذى من روافد بعيدة. هذا النظام التكاملي —القناة كوسيلة نقل، والصهاريج كوسيلة تخزين— جعل عدن في تلك الحقبة تعيش "أمناً مائياً" لم يتكرر، وأثبت أن الحل في عدن يبدأ دائماً من خارج حدودها الجغرافية الضيقة.
من الإدارة الاستعمارية إلى الدولة المركزية
ومع دخول البريطانيين عام 1839، واجهت الإدارة الجديدة نفس التحدي القديم. غير أن أهمية عدن كميناء عالمي دفعتهم للتعامل مع الأزمة بمنظور براغماتي؛ فأعادوا تأهيل نظام الصهاريج الطاهرية، وأدخلوا تقنيات حفر الآبار العميقة ونقل المياه بالسفن.
بعد عام 1967، تبنّت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مفهوم "الخدمة العامة" كجزء من شرعيتها. توسعت الدولة في حفر الآبار في "الحسوة" و"بئر أحمد"، وأصبح وصول المياه للمنازل منتظماً وبتكلفة رمزية. نجحت هذه السياسة في تحقيق استقرار اجتماعي، لكنها حملت خللاً استراتيجياً؛ فقد اعتمدت كلياً على استنزاف المياه الجوفية دون خطط لإعادة التغذية، فكان "الاستقرار المائي" يُبنى على حساب المستقبل.
زمن الانكشاف: التفكك وتطبيع العطش
جاءت مرحلة ما بعد الوحدة عام 1990 لتكشف هشاشة المنظومة. شهدت عدن نمواً سكانياً وتوسعاً عمرانياً لم يقابله استثمار في البنية التحتية. استُهلكت الشبكات القديمة، وتراجع دور المؤسسات أمام التوصيلات العشوائية. ثم جاءت حرب 2015 لتكون "رصاصة الرحمة"؛ تضررت المضخات، وانهارت شبكة الكهرباء —وهي العصب الحيوي لضخ الماء— لتتحول المياه من حق مكفول إلى سلعة تُشترى من "الوايتات" بأسعار كاوية.
اليوم، تضع التقارير الدولية عدن أمام حقيقة قاسية: الأزمة ليست نقصاً في المورد فحسب، بل هي "أزمة إدارة" وتآكل في بنية الدولة نفسها. التقارير الحكومية تبرر العجز بضعف التمويل، والمنظمات الدولية تطرح "تحلية مياه البحر" كخيار وحيد، لكن هذه الحلول تظل حبيسة الأوراق في ظل غياب الاستقرار السياسي والقدرة المؤسسية.
الخاتمة: المدينة التي تبحث عن قطرة
إن التأمل في مسار عدن التاريخي يكشف مفارقة حزينة: مدينة كانت تُروى عبر قنوات هندسية متكاملة في العصر الطاهري، أصبحت اليوم ترتهن لمواعيد وصول "الوايت" لتنظيم حياتها. هذا التحول ليس مجرد تدهور خدمي، بل هو تعبير عن تفكك العقد بين الإنسان ومؤسساته.
عدن اليوم لا تعاني من شح المياه بقدر ما تعاني من "شح الرؤية". فالمياه هي المرآة التي تعكس كفاءة الدولة. وحين يتحول العطش إلى "أمر اعتيادي"، وتصبح خزانات الأسطح هي "المعلم البارز" للمدينة بدلاً من الصهاريج التاريخية وقنوات عامر بن عبدالوهاب، فإننا نكون أمام مدينة لا تتكيف مع الأزمة، بل تستسلم لها.
استعادة عدن تبدأ من حيث بدأ الطاهريون: باحترام الجغرافيا، وبالعقل الهندسي الذي يخطط لقرون لا لأيام، وبإدراك أن قطرة الماء في عدن ليست خدمة هامشية، بل هي شرط الاستقرار الأول. وحتى يتحقق ذلك، ستظل قصص الأمهات عن "عدن بلا خزانات" أسطورة بعيدة المنال، وذاكرة توجع الحاضر.
اليوم، عندما أتحدث مع أمي عن وضع الخدمات الأساسية في عدن، تصاب بالذهول والحسرة والإحباط؛ فهي التي رأت وعاشت بين مرحلتين متناقضتين: مرحلة الازدهار الذي لم يدم طويلاً، ومرحلة الانكسار الكارثي الناتج عن سوء إدارة أزمة المياه في ظل غياب شبه كامل لفاعلية مؤسسات الدولة.