آراء ناصية أمجد .. مجلة تنتصر للفكر في زمن الفوضى الأحد - 05 يوليو 2026 - الساعة 07:12 م بقلم: نجيب الكمالي - أرشيف الكاتب في مشهد ثقافي يمني يعاني من جفاف دوري وممنهج، تطل مجلة "الناصية" من عدن كاستثناء لا يُقاس عليه، ليست مجرد إصدار نصف سنوي، بل بيان مقاومة، ووثيقة عناد معرفي، في بلد جعلت فيه السلطات المتعاقبة والجماعات المتطرفة من الفكر خطراً، ومن السؤال جريمة. تأتي "الناصية" تحت مظلة "مؤسسة أمجد الثقافية والحقوقية"، التي تأسست على فقدٍ عنيف للشاب والناشط أمجد محمد عبدالرحمن، الذي اغتيل في مايو 2017، ولم يكن أمجد مجرد ناشط عابر، بل كان أشبه بمن يحمل كفنه معه، وهو يمشي في دروب الحقوق في زمن جعلت فيه الرصاص حكماء، والفتوى قضاة، إذ بدأ نشاطه الحقوقي مؤمناً بالتغيير الذي لا بد منه، مؤمناً بدولة مدنية لا دولة الإرهاب والتطرف، بدولة القانون لا دولة الفوضى، آمن بأن العدل ليس شعاراً يُرفع، بل حياة تُعاش، ودفع ثمن قناعاته غالياً، ليصبح اسمه رمزاً لفكرة لم تَمُت بموته، بل تحررت من جسده لتنتشر أكثر. تخرج "الناصية" في توقيت يندر فيه صدور المطبوعات الثقافية الجادة، لتعلن أن الفراغ الثقافي ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لتواطؤ الصمت، وأن انطفاء المجلات ليس قدراً، بل سياسة إهمال أو خوف متراكم، وتقول المجلة بصريح العبارة إن الكتابة يمكن أن تعيش حتى حين تُحاصر، وهي بذلك ترفض أن تكون مجرد زينة ثقافية، أو ترفاً للنخبة، بل تصر على أن تكون خط تماس مفتوحاً بين الكلمة والسلاح، بين الإنسان والعنف، بين الدولة التي لم تكتمل، والفوضى التي تتغذى على الفراغ. في زمن تُختزل فيه المعرفة إلى شعارات، ويُستبدل فيه الفكر بالتحريض، تعيد "الناصية" تعريف المعركة الثقافية، فلا تراها صراعاً بين تيارات سياسية، بل بين مشروعين متعارضين للإنسان نفسه؛ مشروع يريد إنساناً خائفاً، محدود الرؤية، قابلًا للتوجيه، ومشروع يصرّ على إنسان يفكر، ويشك، ويكتب، ويقاوم، ومن هنا، فإن استمرار "الناصية" ولو كل ستة أشهر، هو إعلان أن الفكرة لا تُهزم بالتأجيل، وأن اللغة يمكن أن تبقى عصية على الرصاص. ليست "الناصية" محاولة لتجميل الواقع، بل رفضٌ صريح له حين يتحول إلى واقع مسكون بالخوف والرقابة والتخويف الرمزي والمادي، إنها فعل مقاومة ناعم في الشكل، صلب في الجوهر، مقاومة لا ترفع السلاح، لكنها ترفض أن تُهزم اللغة، لا تهاجم بالرصاص، لكنها تفضح منطق الرصاص حين يتحول إلى وسيلة لإدارة الحياة العامة. في النهاية، تطرح المجلة سؤالها الأكبر، ليس على ما تنشره، بل على ما ترفضه من صمت: إلى متى سيبقى الفكر بحاجة إلى تبرير وجوده؟ وإلى متى سيُعامل السؤال بوصفه خطراً، بدل أن يُعامل بوصفه بداية الطريق؟ "الناصية" ليست مجلة فقط، إنها اختبار قاسٍ لمدى قدرة المجتمع اليمني على تحمل نفسه حين يفكر. تابعونا عبر Whatsapp تابعونا عبر Telegram