آخر تحديث :الأحد-05 يوليو 2026-09:13م

هل آن الأوان لوأد المشروع الطائفي الحوثي؟

الأحد - 05 يوليو 2026 - الساعة 06:24 م
د. سعيد سالم الحرباجي


القشة التي قصمت ظهر البعير...

عندما يكتب الظالم شهادة وفاته بيديه

(هل آن الأوان لوأد المشروع الطائفي الحوثي؟)



ليس كل سقوطٍ يُسمع له دويٌّ...

فبعض العروش تنهار في صمت، وبعض الإمبراطوريات تموت واقفة، بينما يظن أصحابها أن ضجيج البنادق دليل الحياة، وأن كثرة السجون شهادة استقرار، وأن ازدحام المعتقلات برهانٌ على قوة الدولة.


وهذه واحدة من أعظم الخدع التي يقع فيها المستبد؛ إذ يخلط بين الخوف والهيبة، وبين الصمت والرضا، وبين تأجيل الانفجار وإلغاء أسبابه.


إن الطغيان لا يسقط عندما يشتد بطشه، وإنما عندما يفقد القدرة على قراءة المجتمع.

عندها يبدأ في تفسير كل همسة على أنها مؤامرة، وكل نصيحة على أنها خيانة، وكل مظلوم على أنه عدو... حتى يتحول إلى آلةٍ عمياء لا تعرف سوى إنتاج المزيد من خصومها.


ولذلك لم يكن ما أُثير حول قضية ميرا صدام حسين – في نظر كثيرين – سوى عنوانٍ لحالة احتقان أوسع، وقشةٍ كشفت أن ظهر البعير كان قد أثقلته سنواتٌ طويلةٌ من الأزمات والانتهاكات.


فالقشة لا تكسر ظهرًا سليمًا... وإنما تعلن سقوط ظهرٍ أنهكته أحمال الظلم.

وما أكثر الطغاة الذين ظنوا أن الناس يخافونهم، فإذا بهم يكتشفون متأخرين أن الناس لم يعودوا يخافون إلا من استمرارهم.


ولعل الإمام الرباني محمد بن إسماعيل العمراني – رحمه الله – اختصر المشهد كله بكلمات ستبقى مناراتٍ في الذاكرة اليمنية، عندما قال للحوثيين حينما اقتحموا منزله: "دخلتم صنعاء بذنوبنا، وستخرجون منها بذنوبكم."


فيا لها من عبارة تختصر فلسفة القرآن في تداول الأيام.

فالله سبحانه لا يبارك ظلمًا، وإن أمهله.

ولا يمنح الطغيان صكَّ خلودٍ، وإن طال بقاؤه.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، وقال جل جلاله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.


إنها ليست آياتٍ تُتلى في المحاريب فحسب، بل قوانين تحكم حركة الأمم؛ فكل ظلمٍ يضيف حجرًا إلى قبر صاحبه، وكل جريمة تُرتكب باسم القوة تُنقص من رصيدها، وكل قطرة دمٍ تُراق ظلمًا تتحول – مع الزمن – إلى شاهد اتهامٍ لا يسقط بالتقادم.


والمفارقة الساخرة أن المستبد يعتقد أنه كلما ضيَّق على الناس أحكم قبضته، بينما الحقيقة أنه يضيِّق على مستقبله هو.

إنه كمن يُحكم إغلاق باب الغرفة التي يشتعل فيها الحريق، ثم يظن أنه قد أخمد النار!!!


وفي المشهد اليمني...

يقرأ كثير من المراقبين مؤشراتٍ على أن حالة الرفض الشعبي تتسع، وأن ما يُتداول عن تحركات قبلية في محافظة الجوف يعكس جانبًا من هذا الحراك، وإن كانت مآلاته النهائية لا تزال مرتبطة بتطورات الأحداث.


غير أن المؤكد أن الشعوب، حين تتوحد حول رفض الظلم، فإنها تدخل مرحلةً جديدةً يصعب إعادتها إلى ما كانت عليه.


لقد علمتنا السنن الإلهية أن نهاية الظلم لا تبدأ بسقوط القلاع... وإنما بسقوط هيبتها في القلوب.

فإذا سقطت الهيبة....لم تعد الجيوش إلا أجسادًا تحمل السلاح، ولم تعد الشعارات إلا حبرًا تذروه الرياح.


وهكذا فإن السؤال لم يعد:

كم يملك الظالم من القوة؟

بل: كم بقي له من الشرعية في ضمير الناس؟


فالتاريخ لا يكتب أسماء الغالبين بالسلاح وحده... وإنما يكتب أيضًا أسماء الذين سقطوا لأنهم لم يفهموا أن الله يمهل ولا يهمل، وأن دعوة المظلوم قد تتأخر... لكنها لا تضيع.


﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾... وعدٌ رباني لا يتبدل بتبدل الموازين، ولا يسقط بتغير التحالفات، ولا تؤخره ضوضاء البنادق؛ لأن الغلبة في النهاية ليست للأقوى بطشًا، وإنما للأقوم عدلًا.



# صرخة وعي ،،،