آخر تحديث :الأحد-05 يوليو 2026-09:13م

سوريا في قلب التنافس الدولي .. ماذا تريد باريس؟ وماذا تريد أنقرة؟

الأحد - 05 يوليو 2026 - الساعة 06:23 م
محمد خالد الحسيني


بين طموحات فرنسا ورهانات سوريا وحسابات أنقرة .. تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة لسوريا والمنطقة.

فهي ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل حدث سياسي يعكس تحولات متسارعة في طريقة تعاطي القوى الغربية مع سوريا بعد المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، كما أنها تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقات الدولية لسوريا، وحدود قدرتها على المناورة وسط شبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية.

وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لكونها الأولى لرئيس دولة غربية كبرى إلى دمشق في العهد الجديد، وهو ما يمنحها دلالات تتجاوز بعدها الثنائي، لتصبح مؤشراً على بداية مرحلة جديدة من الانخراط الأوروبي في الملف السوري.

في المقابل، تواجه القيادة السورية تحديات داخلية وخارجية متزامنة، أبرزها التطورات في الجنوب السوري، حيث تتصاعد المخاوف من سعي إسرائيل إلى فرض أمر واقع جديد عبر سلسلة من الإجراءات الميدانية التي تهدف إلى ترسيخ وجودها على الأرض بصورة تدريجية.

وقد ولّد هذا الواقع نقاشاً واسعاً داخل الشارع السوري، خاصة مع المقارنات التي يطرحها البعض بين ما يجري اليوم وما كان عليه الوضع في عهد النظام السابق، رغم ما شهده ذلك العهد من انتهاكات وأزمات داخلية.

ويبقى السؤال الأكثر حضوراً: هل يمتلك الرئيس أحمد الشرع القدرة على تغيير هذا الواقع وفرض معادلة مختلفة في الجنوب السوري؟

الإجابة ليست بسيطة، لأن المشهد تحكمه معادلات تتجاوز الإرادة السورية وحدها.

فالقيادة الجديدة تدرك أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل في هذه المرحلة قد تفتح الباب أمام تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية يصعب احتواؤها، خاصة في ظل البيئة الدولية الراهنة.

كما أن دمشق لا تستطيع تجاهل طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، خصوصاً بعد الانفتاح السياسي الذي شهدته المرحلة الأخيرة، ولا يمكنها أيضاً تجاوز الدور التركي بوصفه أحد أبرز الفاعلين داخل الساحة السورية، سياسياً وعسكرياً وأمنياً.

ويضاف إلى ذلك أن الجيش السوري لا يزال في مرحلة إعادة البناء وإعادة الهيكلة، الأمر الذي يجعل أي مواجهة واسعة مخاطرة غير محسوبة النتائج في ظل اختلال واضح في موازين القوة.

لذلك، تبدو أولويات القيادة السورية اليوم أقرب إلى تثبيت الاستقرار الداخلي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتأهيل الجيش، بدلاً من الانخراط في صراع عسكري مفتوح قد يهدد مسار إعادة التعافي.

وفي هذا السياق تأتي زيارة الرئيس الفرنسي، التي تحمل في مضمونها ثلاثة أبعاد رئيسية،

فالبعد الأول سياسي، إذ تعكس اعترافاً فرنسياً بأن سوريا أصبحت مجدداً رقماً يصعب تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط، وأن الحوار المباشر مع دمشق أصبح ضرورة في ظل التحولات الإقليمية.

أما البعد الثاني فهو اقتصادي، ويتجسد في مرافقة وفد من المستثمرين وممثلي الشركات الفرنسية للرئيس ماكرون، بما يعكس اهتمام باريس بالمشاركة في مشاريع التعافي وإعادة الإعمار، واستكشاف فرص الاستثمار في مختلف القطاعات.

في حين يتمثل البعد الثالث في الجانب الأمني، حيث تتداخل ملفات مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والاستقرار الإقليمي، مع قضايا لبنان وشرق المتوسط، وهي ملفات ترى فرنسا أن استقرار سوريا عنصر أساسي في معالجتها.

ومن زاوية المصالح الفرنسية، تبدو باريس معنية بإعادة تثبيت حضورها في المشرق العربي بعد سنوات تراجع خلالها نفوذها أمام أدوار إقليمية ودولية أخرى.

كما تسعى إلى أن تكون شريكاً في مرحلة إعادة الإعمار، وأن تمتلك قناة اتصال مباشرة مع دمشق تمنحها دوراً أكبر في رسم التوازنات الإقليمية، بعيداً عن الاكتفاء بالوساطات التي تقودها قوى أخرى.

أما دمشق، فتسعى بدورها إلى توسيع خياراتها الخارجية، وكسر العزلة السياسية، واستقطاب الاستثمارات الأوروبية، والاستفادة من الانفتاح الفرنسي لتعزيز موقعها الدولي، دون أن تجعل من هذه العلاقة بديلاً عن علاقاتها مع بقية القوى الفاعلة.

وهنا تبرز تركيا بوصفها أحد أهم عناصر المعادلة السورية، فأنقرة تمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً مؤثراً داخل سوريا، وفرنسا تدرك أن أي دور ترغب في لعبه لا يمكن أن يتجاهل هذا الواقع.

ورغم ما تشهده العلاقات التركية الفرنسية من تنافس في ملفات إقليمية متعددة، فإن المؤشرات لا توحي بأن باريس تتجه إلى مواجهة مباشرة مع أنقرة داخل الساحة السورية، بل تبدو أقرب إلى البحث عن مساحة مستقلة للحضور، مع الإقرار بالدور التركي القائم.

ومن هنا تبدو السياسة السورية مرشحة للاعتماد على مبدأ تنويع الشراكات، بحيث تحافظ على علاقاتها مع تركيا، وتفتح الباب أمام فرنسا وأوروبا، وتواصل بناء علاقاتها مع الدول العربية والقوى الدولية الأخرى، بما يمنحها هامشاً أوسع للحركة ويجنبها الارتهان لطرف واحد.

غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهوناً بقدرة دمشق على إدارة التوازنات المعقدة بين القوى المتنافسة، ومنع تحول سوريا مرة أخرى إلى ساحة صراع بالوكالة، مع توفير بيئة مستقرة سياسياً وأمنياً واقتصادياً تسمح بتحويل الانفتاح الدولي إلى مكاسب حقيقية.

في المحصلة، لا تبدو زيارة ماكرون مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل تعكس بداية مرحلة جديدة في العلاقات الفرنسية السورية، كما تمنح دمشق فرصة لإعادة تموضعها دولياً.

غير أن هذه الفرصة ستظل مرتبطة بقدرة القيادة السورية على إدارة ملفاتها الداخلية، وإعادة بناء مؤسساتها، وتحقيق توازن دقيق بين شركائها الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم تركيا وفرنسا، بما يخدم المصلحة الوطنية السورية ويحافظ على استقلالية القرار السياسي.

محمد خالد الحسيني