آخر تحديث :الأربعاء-08 يوليو 2026-10:06م

جرح في جدار الصمت .. "بحور المآسي"(21)

الأحد - 05 يوليو 2026 - الساعة 05:04 م
حسين سالم السليماني


عاد "سعيد" إلى بيته، ودخل عشته مطأطئ الرأس، والدمع يغسل ملامحه المجهدة. لم يلتفت لشيء، بل هرع نحو ثقوب في جدار العشة المهترئ، يختلس النظر منها بقلب يرتجف. كانت "أم معين" هناك، تبتعد بخطى وئيدة عن مرابع صباها، وعن جدران حضنت ذكريات زوجها الراحل. كانت تلتفت يميناً وشمالاً، وكأنها تودع كل حجر وشجرة بآهة مكتومة.

وقفت زوجة سعيد بجانبه، تشاركه تلك النظرة الحزينة عبر شقوق الجدار، وسألته بنبرة مخنوقة: رحلوا وليس في جعبتهم زاد ولا متاع.. ألم تعطهم من حطام الدنيا شيئاً؟


أجابها سعيد بصوت أضناه الندم: أعطيتُها تلك القروش التي استودعني إياها أخي (أحمد) ليوم زفافه. سيعذرني أخي وهو العسكري في المدينة البعيدة، وسأعوضه من ثمن البقر إن بقي لنا في العمر بقية.

لم تحتمل الزوجة هول المشهد، فاندفعت قائلة:

سألحق بهم من بعيد، سأحمل إليهم قربة ماء تبل ريق الصغار في هذا الهجير.. استودعتك الله.


بقي سعيد وحيداً يصارع عبراته، حتى قاطع سكونه صوت ينادي من الخارج. كانت الجارة الأرملة، التي ما إن رأت سعيداً يخرج إليها بوجه كسته الكآبة، وعينين غارقتين في الدمع، حتى هلع قلبها. صرخت في وجهه:

يا أبا أحمد! ما الذي جرى؟ ما لي أرى الحزن قد نال منك، والدموع تحفر في وجهك أخاديد لم نعهدها في رجولتك وصبرك؟!

حاول سعيد أن يلجم صرختها بهمس مرتعش:

اخفضي صوتكِ يا امرأة، ليس هناك ما يستحق هذا الفزع.

لكن الروع كان قد تملّكها، فصاحت بصوت جهوريّ:

كلا! إن خلف هذا الدمع أمراً جلالاً! أين زوجتك؟ وأين جارتنا أم معين؟

انطلقت الأرملة كالسهم نحو بيت أم معين وهي تولول، وسعيد يركض خلفها يحاول عبثاً إخفاء شمس الحقيقة بغربال الصمت، لكن صرخاتها كانت أسرع من خطاه. صاحت في وسط القرية:

يا ناس! جئت أطلب أم معين فما وجدت لها أثراً، والبيت خاوٍ، وسعيد يبكي وزوجته غائبة!


ما هي إلا لحظات حتى تجمهر أهل القرية؛ رجالاً وشباباً ونساء، أمام عتبة البيت المهجور. وقف سعيد وسط الزحام، وقد ألقى بكلتا يديه فوق رأسه في ذهول وانكسار. نظر إلى الوجوه المتسائلة، وأحسّ بأن جدار السر الذي بناه بعناية قد انهار أمام صرخة أرملة لم تقصد شراً، لكنها ساقت القدر نحو مواجهة لم يكن مستعداً لها.

حدث نفسه بمرارة: يا الله! لقد انكشف المستور، وبات السرّ مشاعاً في أفواه الركبان.. فماذا يخبئ لنا القدر بعد هذا الانكشاف؟.


..................•.................


وللقصة بقية...