إن حل المشاكل والأزمات سواء على المستوى الفردي أو الجمعي أو الحكومي أو المؤسسي وايجاد الحلول المناسبة لها ليس بالأمر السهل ، بل إنه يحتاج للكثير من الذكاء والخبرة والمعرفة والبحث والدراسة والحكمة والسياسة ، وهو ما يعرف بفن إدارة الأزمات وحلحلتها بأقل التكاليف والخسائر الممكنة ، فالحياة ليست أكثر من مشاكل مترابطة ومتواصلة ومتشابكة ، وما أن يخرج الفرد أو المجتمع أو المسئول من أزمة حتى يدخل في أخرى وهذه سنة الحياة ، والأزمة أو المشكلة مهما كانت صغيرة وتافهة إذا لم يتم معالجتها بالعقل والحكمة والسياسة والعدل والانصاف فإنها تتوسع وتكبر وفي بعض الأحيان قد تخرج عن السيطرة وقد يكون لها عواقب وخيمة ، والعكس صحيح مهما كانت المشكلة أو الأزمة كبيرة إذا تم مواجهتها بالعقل والحكمة والعدل فإنها تتلاشى وتنتهي بأقل الخسائر الممكنة ، من أجل ذلك تهتم الحكومات الرشيدة بتشكيل هيئات أو مؤسسات أو غرف عمليات أو مجالس مهمتها إدارة الأزمات ودراستها وتفكيكها بهرف إيجاد أفضل الحلول وأقصر الطرق لمعالجتها ، وللنجاح في ذلك يتم اختيار النخبة من العلماء والمفكرين والخبراء في مختلف المجالات والتخصصات ، وأمام كل مشكلة أو أزمة تتعرض لها البلاد يقوم هؤلاء بقراءة الموقف من كل الجوانب والزوايا ، وصولا إلى وضع مصفوفات من الحلول ودراسة كل تلك الحلول وتحديد ايجابياتها وسلبياتها ، وفي الأخير يتم اختيار الحل المناسب والأفضل ، الذي سوف يحقق أفضل النتائج الممكنة ، وصولا إلى الخروج من تلك الأزمة بأقل الخسائر الممكنة ..!!
هكذا تدير الحكومات الرشيدة والمسئولة أزماتها ومشاكلها بالعقل والعلم والحكمة والخبرة بما يخدم المصالح العليا للوطن ويحافظ على حقوق وحريات المواطنين ، ولا يمكن لهذه الحكومات أن تتنصل عن مسئولياتها وواجباتها تجاه شعوبها ، فالمسئولين فيها يمتلكون من الشجاعة السياسية والأدبية والأخلاقية ما يجعلهم يعترفون بتقصيرهم وأخطائهم وتقديم اعتذارهم بكل وضوح وشفافية ، فلا مكان للتكبر والغرور والعناد في قاموس هذه الحكومات ، فترى المسئولين عن ذلك الفشل أو الاخفاق او الخلل وهم يقدمون استقالاتهم طواعية ، وهنا تتجلى الشجاعة والمصداقية في ابهى صورها ، بعكس الحال عند حكومات ومسئولي الدول الاستبدادية والمتخلفة ، الذين لا يعترفون من حيث المبدأ بأخطائهم وممارساتهم وسياساتهم وقراراتهم السلبية ، في حالة تعكس اصرارهم على الخطأ والفشل بدوافع التكبر والغرور والعنجهية والعناد ، ودون أي اعتبار للنتائج الكارثية المترتبة على سياساتهم وقراراتهم الارتجالية والمزاجية في مواجهة الازمات والمشاكل وهو ما يزيد الطين بله ..!!
وهناك فرق شاسع بين إدارة الازمات بالأهواء والنزوات والعلاقات وإدارتها بالعقل والحكمة والسياسة والموضوعية والحيادية ، ففي الحالة الأولى يكون الهدف هو إرضاء غرور النفس واشباع نزواتها والانتصار الشخصي لها بغض النظر عن النتائج السلبية المترتبة على ذلك ، أما في الحالة الثانية يكون الهدف هو إيجاد الحل المناسب والانتصار للحق وللمصلحة العامة ، وهنا يتجلى بوضوح الفرق الكبير بين السلطة ذات النزعة الفردية في الحكم ، وبين السلطة ذات النزعة الجماعية في الحكم ، ففي الأولى تكون مصلحة الفرد الحاكم والموالين له مقدمة على غيرها من المصالح ، وحتى لو تعارضت مع المصلحة العامة والمصالح العليا للوطن ، وفي الثانية تكون المصلحة العامة والمصالح العليا للوطن مقدمة على كل المصالح ، كما أن معالجة ومواجهة الأزمات في كل زمان ومكان يتوقف على نوعية المستشارين المحيطين بصاحب القرار ، فإذا كانوا من ذوي الخبرة والحكمة والدراية ومن مختلف التخصصات العلمية والفكرية ، ويتمتعون بالمصداقية والموضوعية والعقلانية ، فإن ذلك يساهم بشكل ايجابي في حل الأزمات ومعالجتها بأقل الخسائر الممكنة ، والعكس صحيح ، وبذلك فإن الفرد أو الجماعة أو السلطة في كل زمان ومكان بحاجة ماسة لفن إدارة الأزمات والمشاكل ، لإنه اذا لم يتم معالجة ازمات ومشاكل الحياة الكثيرة والمتنوعة بفن وحكمة وعقلانية ، فإن تلك الازمات والمشاكل سوف تستفحل وتتعاظم بدون شك ، وتظل المبادرة والسرعة والاعتراف بالخطأ والامتثال للحق ، من أهم العوامل التي تساهم في لملمة ولفلفة الأزمات ومعالجتها وحلها بأقل الخسائر الممكنة ، ويظل العناد والغرور والتكبر واللجوء للقوة والعنف والاكراه من أهم العوامل التي تساهم في استفحال وتفاقم الأزمات والمشاكل وتساهم في تعقيدها وتأخير حلها ..!!
فالأزمات تولد من رحم مواقف ومتغيرات الحياة اليومية ، فإذا تم حلها بسرعة تبددت وتلاشت ، واذا تم اهمالها وتأخير حلها نمت وكبرت وتوسعت وتعاظمت وتشعبت ليصبح من الصعوبة بمكان حلها والسيطرة عليها ، ويظل التأجيل والتسويف والمماطلة والتلاعب من أهم العوامل التي تؤدي إلى تفاقم واستفحال الأزمات والقضايا والمشاكل ، ويظل الاحتكام للشرع والقانون والعقل والحكمة من أفضل الطرق لحل الأزمات والمشاكل بمختلف انواعها وخصوصا الحقوقية والمطلبية منها ، ففي ذلك اقناع لجميع الاطراف واغلاق لكل أبواب الفتن والازمات ، والقضايا وخصوصا العادلة منها لا يمكن أن تموت أو تتلاشى مهما حاولت الأطراف الأخرى طمسها واخفائها ، فهي تظل كالجمر تحت الرماد في حالة توهج وتوقد مستمر ، وتظل أفضل وسيلة لإطفائها والتخلص من تبعاتها السلبية هي المبادرة إلى حلها في أسرع وقت ممكن حلاً عادلاً وشاملاً ، من أجل ذلك يظل العدل ثم العدل ثم العدل هو الطريق الأفضل والأقرب لمعالجة كل الأزمات والمشاكل الحقوقية على كل المستويات الفردية والجماعية والسلطوية ..!!