سؤال مزعج.. يحاول كل حضرمي يدرك إمكانيات حضرموت الجغرافية، وأهميتها التاريخية والثقافية، أن يجد له إجابات شافية تمكنه من معرفة أسباب فشل الحضارم في تحقيق النجاح داخل وطنهم، بالإضافة إلى إدمان التبعية للغريب إلى حد الذوبان، مقابل نجاحاتهم الباهرة في مختلف المجالات على مستوى المَواطِن المهجرية؛ من جاكرتا الإندونيسية في جنوب شرق آسيا، إلى دار السلام التنزانية في جنوب شرق إفريقيا، فضلاً عن المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر.
حيث تحولت هجراتهم العكسية من تلك المواطن المهجرية إلى الحجاز في الجزيرة العربية، ليتوافد العديد منهم من حضرموت إلى المملكة العربية السعودية بعد توحيدها على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود، وحقق الكثير منهم نجاحات اقتصادية، وأخيراً علمية.
ورغم ذلك، ظلت حضرموت خارج اهتمام الجميع، لتسهل استباحتها أو تسليمها من قبل بريطانيا إلى جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية نكاية بالسعودية في علاقتها بالحضارم وفي تطلعاتها للتكامل الجيوسياسي، ولمحاصرة المد الناصري في صنعاء، بحسب السير هنري تريفليان في كتابه "ثورات في الشرق الأوسط". والشرح في هذا يطول، ولكننا نذكر به لكي ندرك أسباب ضياع حضرموت، وهي أسباب ما زالت معاصرة، وربما هي أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل عام 1967.
نعيش اليوم في هذه المرحلة الصعبة بتحدياتها، وفي مقدمتها التحديات الذاتية لأفراد وقوى "قبلية ومناطقية"، ولزعامات وموظفين استمرؤوا التبعية للآخرين داخل الوطن وخارجه، في ظل متغيرات إقليمية ودولية ستفرض نفسها، ولن نستطيع الإفادة منها دون أن نغادر صفرية المجموع إلى فكر سياسي ناضج ومجتمع موحد.
المهم.. أن معظم إخفاقاتنا، ومنها الأخيرة، كانت في كيفية استثمار مواجهة حلف قبائل حضرموت للغزو العسكري الوافد والمقيم التابع للمجلس الانتقالي الجنوبي للسيطرة على حضرموت، بهدف تمكين المؤامرة (الأمريكية-الإسرائيلية) من إقامة دولة جنوبية تكون أداة في جنوب المملكة العربية السعودية والبحر الأحمر.. ولإفشال تلك المؤامرة-المشروع، دفعت حضرموت الثمن من دماء أبنائها، مما مكن الأشقاء في السعودية والشركاء اليمنيين من إحباط تمكين تلك القوى من السيطرة على منطقة جيوإستراتيجية، هي أهم وأخطر من الجولان والهيمنة على لبنان في مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الإسرائيلي، فضلاً عن التحكم في مصالح العالم التجارية والملاحية، وهذا على قدر كبير من الأهمية يمتد حتى مضيق هرمز في الخليج.
هذا الإنجاز الحضرمي، هل تُجوهل أم جَهِل الحضارم كيفية استثماره في دور إستراتيجي يلعبه الحضارم؟ رغم أهميته الكبيرة على مستوى الأمن القومي العربي عموماً، والجزيرة العربية على وجه الخصوص، ورغم أهمية إنقاذ اليمن بحضرموت، وأهميتها الجغرافية لمشروع شرق أوسط مختلف، عربي-إسلامي، أظنه قادماً بعد فشل حلف نتنياهو - ترامب.
نعم، تجاهل الجميع دور الحضارم الذين جَهلوا أهمية وأبعاد ما قاموا به، وهذا جانب لا يمكن أن يخطر على بال من أراد استثمار دور حضرموت في وظيفة مع حكومة مجلس القيادة الرئاسي، أو تجيير عمل كبير لصالح زعامة ضيقة الأفق، فقيرة الفكر، سواء كانت شخصية، مناطقية، أو حِزبية من موروثات قديمة، أو مكونات اجتماعية غير قادرة على إدارة أسرها فضلاً عن عشائرها. فهل ندرك لماذا أخفقنا، بل وصغرنا دون أهمية حضرموت الجغرافية والاقتصادية؟ الأمر واضح : الفقر الفكري لقيادات لم تدرك أهمية ما أسست له. وعلى أي حال، الفرصة طير سانح لا يقتنصها من خاف خوض الصعاب.
أنا هنا لا أحمّل شخصاً أو جماعة حضرمية بعينها هذه الإخفاقات، ولا أولئك الناعقين من طلاب الحصول على فتات موائد الشرعية اليمنية بأقصر الطرق وأرخص الخطابات؛ الخطاب الذي تدرك تلك القوى قبل غيرها تأثيره داخل مجتمعٍ عَمِلت هي على تغذية صراعاته بعد تمزيق تكافليته منذ عام 1967 وحتى اليوم. ولكنني أخاطب أبناء حضرموت لمغادرة أسباب عدم فعاليتهم السياسية يمنياً، بكل ما يملكون من علاقات وتأثير في مواطنهم المهجرية، بالإضافة إلى ما يملكه إقليم حضرموت من مقومات بشرية وجغرافية واقتصادية تمكنه من إقامة دولة.
المهم، أنه لا بد من بحث كل السبل، القوية وغير القوية، لتوحيد الإرادة المجتمعية الحضرمية، وهذا يتطلب مواجهة الذات (الأنا) أولاً، ودفعها إلى مغادرة "الصفرية" إلى "المجموع".
ولكن كيف؟
نعم كيف.. يكون ذلك بالكيف (النوعية) في مؤتمر تشارك فيه القوى المنتجة، والعلمية في جامعاتها، ومن أبنائنا في كندا، أمريكا، بريطانيا، وأوروبا، فضلاً عن المَواطِن الحضرمية المهجرية. نبحث فيه سلبياتنا ونطور إيجابياتنا، بعيداً عن الرغبات الذاتية. وأعتقد أن هناك جيلاً مستقبلياً محتجباً عن تناطح المكونات وزعاماتها، إذا تحرك بشجاعة وموضوعية، عندها ستتلاشى الأصفار وتتحول إلى أرقام في إرادة حضرمية تفرض دورها!