في السياسة، لا تكفي النوايا الطيبة، وفي إدارة الدول لا تُقاس الإنجازات بحجم الوعود، بل بما يلمسه المواطن في حياته اليومية. ولهذا، فإن أي حديث عن إصلاحات اقتصادية سيظل مجرد عنوان ما لم يتحول إلى قرارات جريئة ونتائج واضحة على الأرض.
يبدو أن رئيس الوزراء ووزير الخارجية الدكتور شائع الزنداني يمتلك رغبة حقيقية في تحريك المياه الراكدة داخل مؤسسات الدولة، وإطلاق إصلاحات مالية واقتصادية تعيد للدولة جزءًا من هيبتها وقدرتها على إدارة مواردها. لكن هذه الرغبة، مهما كانت صادقة، لن تحقق أهدافها إذا بقيت محاصرة بجهاز حكومي مترهل، وتعيينات قائمة على التوازنات السياسية أكثر من اعتمادها على الكفاءة.
المواطن اليوم لا يسأل عن عدد الاجتماعات التي تعقدها الحكومة، ولا عن حجم الخطط التي تُعلن، بل يسأل سؤالًا واحدًا: ماذا تغير؟ الكهرباء ما زالت تمثل أزمة يومية، والغلاء يواصل استنزاف دخول المواطنين، والخدمات لا تزال دون مستوى التطلعات. وهذه حقائق لا يمكن تجاوزها أو تجميلها.
إذا كان الزنداني يريد بالفعل أن يترك بصمة مختلفة، فإن البداية الحقيقية ليست بإطلاق المزيد من الوعود، وإنما بإعادة تشكيل فريقه التنفيذي على أسس مهنية خالصة، واختيار مسؤولين يمتلكون القدرة على الإنجاز واتخاذ القرار، بعيدًا عن أي اعتبارات حزبية أو مراكز نفوذ أثبتت التجربة أنها كانت من أبرز أسباب تعثر الحكومات المتعاقبة.
الإصلاح الاقتصادي لا يبدأ من المكاتب، بل من إغلاق منافذ الفساد، وتجفيف منابع التهريب، وفرض سيادة الدولة على مواردها، وتعزيز الإيرادات العامة، ومحاسبة كل من يعبث بالمال العام. عندها فقط يمكن الحديث عن اقتصاد يتعافى، ودولة تستعيد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
وربما تكون أكبر خدمة يمكن أن تُقدم لرئيس الوزراء اليوم هي منحه المساحة الكافية للعمل، بعيدًا عن التدخلات التي تربك القرار الحكومي وتفرغ أي مشروع إصلاحي من مضمونه. فالنجاح يحتاج إلى قرار مستقل، وإلى دعم حقيقي، وإلى محاسبة عادلة لكل مقصر، مهما كان موقعه أو نفوذه.
الوقت لا يعمل لصالح الحكومة، وكل يوم يمر دون نتائج ملموسة يضاعف حجم التحديات ويزيد من تآكل ثقة المواطن. ولذلك، فإن المرحلة لم تعد تحتمل الحلول المؤقتة أو الإجراءات الخجولة، بل تحتاج إلى قرارات شجاعة تعيد ترتيب البيت الحكومي، وتفتح الباب أمام الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة المرحلة بكفاءة ومسؤولية.
قد ينجح الدكتور شائع الزنداني في مشروعه الإصلاحي، وقد يفشل، لكن الفيصل في ذلك لن يكون قوة الخطاب أو كثرة التصريحات، بل قدرته على كسر الحلقة التي أعاقت الحكومات السابقة: الفساد، والمحاصصة، وضعف الإدارة، وغياب المساءلة.
اليمن اليوم لا يحتاج إلى حكومة تتحدث كثيرًا، بل إلى حكومة تعمل أكثر مما تتحدث، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فإذا تمكن رئيس الوزراء من بناء فريق كفؤ، وامتلك الشجاعة لاتخاذ القرارات الصعبة، فقد تكون هذه بداية مرحلة مختلفة. أما إذا استمرت الإدارة بالأدوات القديمة، فلن تكون النتيجة سوى تكرار المشهد ذاته، مهما تغيرت الوجوه والعناوين.