في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، لا تكون كثرة الأحداث هي ما يثير القلق، بل غياب القدرة على فهم الرابط بينها.
واليمن اليوم يقف أمام مشهد بالغ التعقيد؛ تهديدات عسكرية تتصاعد، وحراك قبلي غير مسبوق يتسع، وتحركات إقليمية متسارعة تعيد رسم موازين القوى، بينما تغيب الدولة عن واجهة المشهد، أو تبدو عاجزة عن الإمساك بخيوطه.
وبين كل هذه التطورات، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نحن أمام بداية تحول تاريخي قد يعيد رسم مستقبل اليمن، أم أمام فصل جديد من الصراعات التي اعتاد اليمنيون أن يدفعوا ثمنها دون أن يكونوا طرفًا في صياغة نتائجها؟
وتشهد الساحة اليمنية حالياً، تطورات متسارعة تفرض نفسها بقوة على المشهد السياسي والعسكري، وتفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول طبيعة المرحلة المقبلة.
فبعد تهديد جماعة الحوثي باقتحام محافظة الضالع، وإعلانها النفير والاستعداد لاستئناف الحرب، برز على الأرض مشهد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الحشد القبلي المتزايد ضمن ما يعرف بمطارح الكرامة، حيث تتوافد القبائل يومًا بعد آخر في صورة غير مسبوقة، توحي بأن هناك حراكًا يمنيًا جديدًا يتشكل، وأن جبهة مختلفة ربما تكون في طريقها إلى الظهور.
هذا الحراك لا يبدو حدثًا عابرًا، فحجم المشاركة واتساعها يمنحانه دلالات سياسية واجتماعية تتجاوز أسبابه المباشرة، ويجعل من الصعب تجاهله أو التقليل من تأثيره، خصوصًا في ظل حالة الاحتقان التي يعيشها اليمن منذ سنوات.
وفي الوقت نفسه، جاءت التطورات المرتبطة بإيران لتضيف مزيدًا من التعقيد إلى المشهد، بعد وصول طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء، وما تردد عن نقل قيادات حوثية إلى طهران، بالتزامن مع إعلان الحوثيين استئناف الرحلات الجوية بين صنعاء وإيران.
وهي خطوة تعكس، بالنسبة لكثير من المراقبين، استمرار العلاقة الوثيقة بين الطرفين، ورسالة سياسية لا تقل أهمية عن أبعادها اللوجستية.
وفي المقابل، يواصل الحوثي خطاب التصعيد والتهديد، لكنه يبدو في الوقت ذاته مدركًا أن الحراك القبلي الحالي ليس بالأمر الهيّن.
فمثل هذا المشهد قد يحمل في طياته تحولات لا تصب في مصلحته إذا اتسع نطاقه وتحول إلى مشروع وطني جامع، وهو ما قد يفسر محاولاته كسب الوقت والمناورة بانتظار ما ستؤول إليه الأحداث.
وفي خضم هذه المعادلة، يبقى موقع الدولة اليمنية غير واضح. فأين تقف من كل هذه الترتيبات؟ وأين موقعها في حسابات حلفائها؟ وما الدور المنتظر من القوات التي أُعدت لمواجهة مثل هذه التحديات؟
كما تظل السيناريوهات المقبلة مفتوحة على جميع الاحتمالات، في ظل حديث متزايد عما يدور خلف الكواليس.
اليوم تبدو القبائل اليمنية، شمالًا وجنوبًا، وكأنها تتحرك في اتجاه واحد، معلنة النفير في مشهد استثنائي، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الهدف الحقيقي من هذا الحراك؟ وهل يمكن أن يكون سببه المباشر مجرد الاستجابة لنداء شيخ قبلي لنصرة امرأة تعرضت للظلم؟
لا خلاف على أن نصرة المظلوم واجب أخلاقي وقيمة أصيلة يعتز بها اليمنيون، لكن القضية التي ينبغي ألا تغيب هي قضية الوطن نفسه.
فقد شهد اليمن خلال السنوات الماضية دعوات كثيرة للانتفاض دفاعًا عن الدولة والجمهورية والوحدة الوطنية، إلا أنها لم تحقق الاستجابة التي نشهدها اليوم.
وإذا كان الظلم الذي وقع على امرأة قد استطاع أن يحرك هذا الكم من الناس، فإن السؤال يبقى قائمًا: أين كان هذا الزخم عندما كان الوطن بأكمله يواجه خطر الانهيار؟
إن استعادة حقوق الأفراد لا تنفصل عن استعادة حق الوطن، بل إن الدولة العادلة هي الضامن الأول لحقوق الجميع، ولذلك فإن أي حراك لن يحقق غايته الحقيقية ما لم يجعل من استعادة الدولة وبناء مؤسساتها هدفه الأسمى.
ويبقى الأمل أن تتحول هذه اللحظة إلى مشروع وطني جامع، ينطلق من الداخل، ويعبر عن إرادة اليمنيين أنفسهم، بعيدًا عن أي أجندات أو حسابات خارجية، وأن يكون الوطن هو القضية التي تتقدم على كل القضايا الأخرى.
وفي المقابل، فإن المسؤولية تقع أيضًا على عاتق الحكومة، التي يفترض بها أن تكون حاضرة، فتحتوي هذا الحراك، وتوجهه نحو مشروع وطني واضح، بدل أن تتركه عرضة للتأويلات أو للاستثمار من قبل أطراف مختلفة.
وفي النهاية، مهما تعددت القراءات واختلفت التقديرات، تبقى الحقيقة الأهم أن الوطن يجب أن يكون البوصلة التي لا تنحرف، وأن استعادة الدولة يجب أن تكون الغاية التي تلتقي عندها كل الجهود، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والتجاذبات الإقليمية.
فإن كان ما يجري اليوم يمثل بالفعل بداية لمرحلة جديدة، فلتكن بداية تستعيد لليمن دولته وهيبته وقراره الوطني المستقل، لا بداية لجولة أخرى من الاستنزاف والضياع.
أما إذا كان كل ذلك مجرد ورقة في لعبة أكبر، فإن الخاسر الأول والأخير سيكون اليمن، وسيظل السؤال معلقًا حتى يتحول الوطن من ساحة تتصارع عليها المشاريع إلى مشروع جامع يلتف حوله جميع أبنائه.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ما نشهده اليوم هو مجرد محطة عابرة في الأزمة اليمنية، أم أنه بالفعل بداية مرحلة جديدة، تكون فيها استعادة الدولة هي المشروع الجامع، ويصبح الوطن هو البوصلة التي يلتف حولها جميع اليمنيين؟
محمد خالد الحسيني