حين نبحر اليوم في فضاء المنصات الرقمية، يصيبنا وجع خانق ويهطل علينا إحباط مرير؛ ونحن نرقب فئة من الشباب والشابات يغرقون في مستنقع من الإبتذال غير المسبوق. هؤلاء الذين تسيدوا المشهد الافتراضي، صاروا كمعاول هدم شرسة تضرب في عمق السمعة الناصعة للإنسان العربي المسلم،
يحاولون بكل همة و نشاط تشويه ذلك الإرث الباذخ بالوقار والاحتشام الذي نقشه أجدادنا على جدار الزمن.
إن ما ينضح به الفضاء الإلكتروني اليوم من محتوى هابط يتجاوز حدود الجهل إلى الإستهداف المدبر، ليتسلل كسم بطيء يضرب مرجعياتنا الأخلاقية والإنسانية. وللأسف لم يعد الخطر محصوراً في سلوك هذه الشرذمة العابثة فحسب، بل في تلك القوافل المليونية من المتابعين الذين ينقادون بدون إدراك لخطورة الوضع حين يمنحون الباطل صك الشرعية، ويهرعون خلف السراب الإعجابي، مما يجعل الرذيلة "ترندا" مألوفا، والمنكر سلوكا اعتياديا و والله إن ذلك لإنتحار للفضيلة حول هؤلاء و أسرهم فحين يشاهدك من يعتبرك قدوة انك تضع إعجابك في صفحة من صفحات هؤلاء الملونيين و المشبوهين فإنه على الأقل سيعتاد الرذيلة و يصبح طعم ضعيف و سهل و ربما يصبح ضحية أخرى لمثل هؤلاء الضباع..
نحن نواجه اليوم حربا ناعمة وضارية، سلاحها حركات مبتذلة وسلوكيات متمردة على قيم الشرف والمروءة، تهدف إلى تجريف ما تبقى في مجتمعاتنا من أصالة وحشمة ودين.
إنها تجارة رخيصة يبيع فيها هؤلاء كرامتهم في سوق النخاسة الرقمية مقابل حفنة من "اللايكات" اللاهثة وراء عابر الدولارات، محاولين اغتيال روح العفة، وهدم جدران الحياء التي كانت دوما حصننا المنيع.
أمام هذا التمدد القبيح المخيف للرذيلة، يلوح سؤال جوهري في الأفق: أين اختفى أهل الفضيلة؟ وكيف سمحنا لهذا الغثاء أن يتصدر المشهد ويختطف واجهة جيلنا؟
أين غاب العقلاء والمصلحون والمبدعون؟
إنها صرخة نطلقها ملئ حناجرنا و نقرع بها أجراس الخطر قبل أن يلتهم هذا الغول الجائع ما تبقى لنا من هوية ونقاء...
حسبنا الله ونعم الوكيل
نبيل محمد العمودي