انبلج خيط الصباح، لا ليحمل معه بشائر الطمأنينة، بل ليعلن ساعة الفراق المر. تسلل "سعيد" نحو بيت ابن عمه الراحل "عمر"، يحمل في صدره سراً ثقيلاً ووصية لا تقبل التأجيل. وقف أمام زوجة أخيه، وبسط يده بخمسة قروش كانت هي كل ما يملك من حطام الدنيا، وقال ونبرته يغلفها الأسى: يا ابنة العم، تعلمين أننا عبرنا بحاراً من المكاره، لكن العواصف القادمة أشد ضراوة، ورياح الظلم لن تستثني صغارك هؤلاء؛ لذا، لم يعد لنا في هذا المقام مأوى، وعليكم بالرحيل صمتاً قبل أن ينكشف الغطاء.
انفجرت "أم معين" بالبكاء، دموعها كانت تحكي قصة سنوات العناء، فهدأ من روعها سعيد قائلاً: "لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، ويجعل لنا من ضيقنا مخرجاً.
أطرقت المرأة برأسها، ونظرت إلى جدران بيتها المتهالكة، وقالت بمرارة: يا أخي سعيد، أنت تعلم حالنا؛ لم نعد نملك إلا هذه الأرض التي أجدبت، وعشة خاوية لا تردّ برداً ولا تحمي من عدو.
أجابها سعيد واليقين يملأ قلبه:
ذلك خير لنا، فما أخرجنا الظالمون إلا طمعاً في تراب الأرض، لكننا نخشى غدرهم؛ فقد ينصبون لكم فخاخ الموت ليتأكدوا أن لا رجعة لكم. اخرجي بصغارك كأنك تقتفين أثر الرعاة، وتدثري بظلال أشجار (الدوم)، وانسلّي ببطء نحو قرية أهلك. هناك، وإن ضاق الرزق، فالأرواح في مأمن، فخير لنا أن نجوع بكرامة على أن نفقد فلذات أكبادنا في خصومة تافهة مع قوم لا يرقبون فينا إلاً ولا ذمة.
ردت أم معين بجملة لخصت واقع البؤس: صدقت.. الجوع مع الأمان، خير من الجوع تحت مقصلة الموت المباغت.
غادر سعيد والدموع تخطّ طريقها على لحيته، وفيما هو يمسح أثر الحزن عن وجهه، اعترضه أحد أعوان (الشقاء)، رجل جُبِل قلبه على القسوة. سخر منه بضحكة مجلجلة استفزازية قائلاً:
ما بك يا سعيد تمسح وجهك كالثكالى؟ أتبكي رجولتك أم خيبتك؟
أجابه سعيد بقلب مكلوم: بل أبكي أطفالاً باتوا طاوين على الجوع، لم يذوقوا زاداً منذ الأمس.
تعالت ضحكات الرجس، وصرخ بوقاحة: وأين ثمن البقر يا لصوص؟ ثم مضى متبختراً بظلمه.
لم ينطق سعيد بكلمة، بل حبس غيظه في صدره وهو يناجي ربه: أيّ شر أنتم؟ أيّ جثث بلا أرواح؟ ألا هزتكم دمعة يتيم أو أنة جائع؟
مضى سعيد في طريقه بخطى مثقلة، والتفت بقلب يرتجف نحو الخلف؛ فرأى من بعيد خيالات صغيرة تتحرك بحذر.. كانت "أم معين" تقود صغارها نحو المجهول، يغادرون أرض الآباء تحت جنح النهار، هرباً من جور البشر إلى سعة رحمة رب البشر.
....................•.................
وللقصة بقية..