هل تمثل التجربة الإيرانية بعد عام 1979 نموذجاً لحداثة سياسية تستند إلى الدين، أم أنها أقرب إلى سردية تجمع بين الشعبوية الحديثة والبنى الاجتماعية والسياسية التقليدية؟ ذلك سؤال لا يزال مفتوحاً، لأن الاقتراب من فهم إيران ما بعد الثورة الإسلامية عملية معقدة تتداخل فيها العقيدة مع القومية، مع التراث الفارسي، وتختلط فيها الشعارات بالمصالح، كما يتشابك فيها العمل السياسي مع الإرث التاريخي. وبعد ما يقارب نصف قرن، لا يبدو أن النظام الإيراني قد أنتج نموذجاً جديداً للدولة بقدر ما أنتج رواية سياسية استطاعت أن تجمع بين الدين والهوية الفارسية وأدوات الدولة الحديثة، لا الذهاب إلى الحداثة، بل هو تراجع لإحياء (إمبراطورية) لم يعد لها مكان في الزمن الحاضر.
على الرغم من الشعار الإسلامي في اسم الدولة، فإنَّ من يقترب من المجتمع الإيراني، سواء من الدبلوماسيين العرب أو الأجانب الذين عملوا هناك، أو من الباحثين الذين عاشوا التجربة عن قرب، يلاحظ مفارقة لافتة. فالمظاهر الاجتماعية المرتبطة بشهر رمضان أو عيدَي الفطر والأضحى في المدن الكبرى، ليست بالحضور الذي يتوقعه الزائر لدولة تقدّم نفسها باعتبارها «الجمهورية الإسلامية». وفي المقابل، يحتل عيد النيروز، بوصفه مناسبةً فارسيةً ضاربة في التاريخ، مكانةً اجتماعيةً وثقافيةً واسعةً. له صلة بالبيئة الثقافية التي نشأت فيها الزرادشتية، وحتى في المناسبات الأسرية، مثل حفلات الخطوبة، تستمر طقوس تقديم ما يعرف بـ«السفرة»، وهي كلمة فارسية تعربت، وهي مائدة احتفالية ذات جذور فارسية قديمة تضم أصنافاً متعددة من المأكولات والرموز، ولم يطرأ عليها في صورتها المعاصرة سوى إضافة نسخة من القرآن الكريم. وتكشف هذه التفاصيل وأمثالها عن أن الهوية الثقافية الفارسية لم تذب في المشروع الإسلامي ولا الثوري الحديث، بل بقيت أحد روافده الأساسية إلى جانب الخطاب الديني. ما علق به هو خليط من مشاعر التوتر في الهوية الإيرانية المعلقة بين فارس والإسلام.
وفي السياسة تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالدولة ترفع شعار الإسلام لكنها في التطبيق العملي تتحرك غالباً ضمن إطار مذهبي محدد. في وقت ظل فيه التعاون مع الجماعات السنية محدوداً واستثنائياً، وغالباً لأسباب تكتيكية أكثر منها استراتيجية. لذلك فإنَّ الحديث عن مشروع إسلامي جامع يصطدم بواقع يكشف عن أن المذهب، لا الأمة الإسلامية، ظل الأداة الرئيسية لبناء النفوذ الإقليمي.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل نحن أمام ثورة بالمعنى التاريخي؟ إذا قورنت الثورة الإيرانية بالثورة البلشفية أو الثورة الصينية، تظهر هنا اختلافات جوهرية. فقد بدأت تلك الثورات بآيديولوجيات صارمة، لكنها أعادت النظر في كثير من مسلماتها، عندما فرضت متطلبات التنمية والاقتصاد والعلاقات الدولية ذلك. أمَّا الثورة الإيرانية، فقد بقيت، إلى حد كبير، وفيةً لسرديتها الأولى، حتى أصبح الحفاظ على الرواية جزءاً من شرعية النظام، وأصبح استمرار الخطاب أهم من مراجعة نتائجه.
هذا الثبات في السردية جعل العلاقة مع الحداثة علاقة انتقائية. فإيران لا ترفض التكنولوجيا، بل تستثمر فيها، وتسعى إلى تطوير قدراتها العسكرية والصاروخية والنووية، لأنها تدرك أن تلك أدوات القوة الحديثة ضرورة لبقاء الدولة. لكنها في الوقت نفسه تتحفظ على كثير من قيم الحداثة السياسية، مثل تداول السلطة، وشفافية المؤسسات، واستقلال القضاء، وحقوق الإنسان، وإعلاء المصلحة الوطنية على الاعتبارات العقائدية. وهكذا قبلت حداثة الوسائل، لكنها لم تتبنَّ حداثة الفكر السياسي.
ومن هنا ينشأ أحد أبرز تناقضات التجربة الإيرانية. فالدولة تحتاج إلى الصناعة والعلم والتقنية لمواجهة خصومها، لكنها تحتاج أيضاً إلى استمرار حالة الصراع حتى تبرر استمرار خطاب الثورة. لذلك يصبح التوتر مع الخارج جزءاً من آلية عمل النظام، وليس مجرد نتيجة لاختلاف المصالح. وكلما خفتت أسباب المواجهة، احتاجت السردية إلى إنتاج أسباب جديدة لاستمرارها.
ويظهر هذا التناقض أيضاً في إدارة العلاقات الدولية. فكثير ممن تعاملوا مع مسؤولين إيرانيين في المؤسسات الدولية أو في جولات التفاوض يلاحظون فارقاً بين الخطاب الرسمي والحديث في اللقاءات الخاصة. فما يقال أمام وسائل الإعلام، قد يختلف عما يطرح بعيداً عن الأضواء، بوصفه انعكاساً لثقافة سياسية تجبر من يعمل مع النظام على الطاعة، حتى لو كان نقاشه ضد المنطق. كما أن تفسير الاتفاقات الدولية يخضع لقراءات تتفق مع أهواء الثورة، أكثر مما تتفق مع القواعد المستقرة في القانون الدولي.
لذلك فإن فهم إيران لا يتحقق بمجرد قراءة دستورها أو متابعة خطابات قادتها، بل يحتاج إلى فهم العلاقة المتداخلة بين ثلاثة عناصر: الإرث الفارسي، والشرعية الدينية، ومتطلبات الدولة الحديثة. وهذه العناصر لا تعمل دائماً في انسجام، بل تدخل في تنافس دائم يفسر كثيراً من التناقضات التي تبدو في السياسات الإيرانية، داخلياً وخارجياً.
الوصف الأقرب لهذه التجربة أنها ليست مشروعاً للحداثة الدينية، ولا عودة كاملة إلى التقليد، بل سردية سياسية وظفت الدين والقومية والشعبوية في إطار واحد، مع الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة دون تبني فلسفة الحداثة. ولهذا بقيت الثورة، بعد ما يقارب نصف قرن، أكثر نجاحاً في الحفاظ على ذاتها، من نجاحها في بناء نموذج سياسي يتطور مع تغير الزمن.
آخر الكلام: لا مستقبل لدولة تتنازعها ذاكرة متنازعة.