ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى . أن الـكواكب في الـتراب تغــور
كان الحبيب والأخ العزيز أبو إسلام أيمن شكيب العدني واحداً من الرجال الذين لا تُختصر حياتهم في منصب، ولا تُقاس أعمارهم بعدد السنوات، وإنما بما قدموه لله، ثم للوطن، ثم للناس.
عرفناه معلماً ومربياً، يزرع القيم قبل المعرفة، ويصنع الرجال قبل الدروس. عاش للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان قريباً من الناس، يواسي الفقير، ويكفل اليتيم، ويقضي حوائج المحتاجين، ويبذل من ماله ووقته وجهده دون منٍّ ولا انتظار جزاء من أحد، يرجو ما عند الله وحده.
ولما أقبلت المحنة، واجتاحت الميليشيات الحوثية الانقلابية مدينة عدن عام ٢٠١٥م لم يكن من أولئك الذين اكتفوا بالمشاهدة أو انتظروا نتائج المعركة، بل كان في مقدمة الصفوف، يحمل روحه على كفه، مدافعاً عن مدينته، وعن كرامة أهلها، وعن راية الوطن.
لم يكن عاشقاً للحرب، ولكنه كان عاشقاً لعدن، ولذلك حمل السلاح دفاعاً عنها عندما عزّ الرجال، وبذل من أجلها كل ما يملك، حتى تحقق النصر، وانكسرت الميليشيات الحوثية، وخرجت من عدن مهزومة مدحورة.
لكن من أشد ما يؤلم القلب أن كثيراً من رجال المقاومة الذين صنعوا ذلك النصر لم ينعموا بالأمان في المدينة التي دافعوا عنها. فقد وجد عدد منهم أنفسهم مطاردين ومهددين، واستهدفتهم قوى الأمر الواقع، فاضطروا إلى مغادرة عدن التي أحبوها وضحوا من أجلها.
وكان أبو إسلام أحد أولئك الرجال.
خرج من عدن مكرهاً، لكن قلبه لم يغادرها يوماً.
ولأن الجهاد في سبيل الدفاع عن الوطن أصبح جزءاً من روحه، لم يغادر إلى حياة الراحة، وإنما اتجه إلى جبهات القتال، حيث واصل مواجهة المشروع الحوثي في محور تعز، جنباً إلى جنب مع رفاقه الذين توزعت بهم السبل بين تعز ومأرب وغيرها من جبهات الدفاع عن الجمهورية والوطن.
ظل ثابتاً على العهد، صابراً محتسباً، مؤمناً بأن الرجال لا يختارون زمان التضحية، وإنما يلبون نداء الواجب متى دعاهم.
واليوم، عاد أبو إسلام إلى عدن، لكنها ليست عودة المسافر إلى أهله، ولا عودة الغائب إلى داره.
عاد محمولاً على أكتاف محبيه، يلفه علم الوطن الذي أفنى سنوات عمره في الدفاع عنه، واستقبلته عدن بالدموع قبل أن تستقبله بالتراب، وخرجت القلوعة، ومعها محبوه ورفاقه وكل من عرف فضله، يودعون رجلاً عاش كريماً، ورحل عزيزاً.
رحل الرجل، لكن أبناءه وتلاميذه وإخوانه وكل من عرفه سيظلون يروون للأجيال قصة معلمٍ فاضل، ومربٍ ناجح، وداعيةٍ مخلص، وإنسانٍ رحيم، وقائدٍ شجاع، ومقاومٍ صادق، وسياسيٍ حكيم، ورجلٍ جمع بين التواضع والصلابة، وبين الرحمة والثبات، وبين الإيمان والعمل.
نم قرير العين يا أبا إسلام، فقد تركت اسماً يذكر بكل فخر واحترام، وتركت تاريخاً لا تكتبه المناصب، وإنما تكتبه المواقف، ولا تصنعه الشعارات، وإنما تصنعه التضحيات.
نسأل الله أن يجعل ما قدمته في ميزان حسناتك، وأن يغفر لك ويرحمك، وأن يوسع مدخلك، وأن يسكنك الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يجزيك عن دينك ووطنك وأمتك خير الجزاء.
رحم الله أيمن شكيب العدني، فقد عاش وفياً، ورحل مرفوع الرأس، وسيبقى اسمه محفوراً في ذاكرة عدن، وفي وجدان كل من عرفه، شاهداً على أن الرجال الصادقين قد يغيبون عن الأبصار، لكنهم لا يغيبون عن التاريخ.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
٣ يوليو ٢٠٢٦م
