مستخلص الدراسة
تبحث هذه الدراسة الفكرية في واحدة من أخطر الظواهر السياسية والاجتماعية التي رافقت مسيرة التاريخ الإسلامي والعربي الحديث، وهي ظاهرة الاستقطاب القبلي والجهوي المتمثل تاريخياً في "الصراع القيسي-اليماني". تهدف الورقة إلى تتبع المسار التطوري لهذه الظاهرة بدءاً من جذورها القبلية والجغرافية، ومروراً بتحولها إلى معول هدم رئيسي قوض أركان الدولة الأموية، ثم تحورها البنيوي في العصر العباسي، وانتقالها العابر للبحار إلى الأندلس، وصولاً إلى إعادة إنتاجها في الدولة العربية الحديثة، مع التركيز على الحالة اليمنية كنموذج تطبيقي معاصر. تخلص الدراسة إلى أن غياب مؤسسات المواطنة المتساوية وسيادة القانون يعيد المجتمعات تلقائياً إلى مربعات الولاء البدائي، مما يجعل "العصبية" لغماً دائماً يهدد كيان الدولة الوطنية.
مقدمة: العصبية والدولة في المنظور الخلدوني
في مقدمته الشهيرة، وضع مؤرخ الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون يده على المحرك الأساسي لنشوء الدول وسقوطها في العالم العربي: العصبية. يرى ابن خلدون أن العصبية هي القوة الدافعة لتأسيس الملك، ولكنها في الوقت ذاته تحمل بذور فنائه عندما تتحول من أداة حامية للكل إلى أداة إقصائية تسعى للاستئثار بالسلطة.
تعد ثنائية "القيسية واليمانية" (العدنانية والشمالية مقابل القحطانية والجنوبية) التطبيق العملي الأبرز للنظرية الخلدونية. فلم يكن هذا الانقسام مجرد خلاف عابر بين بطون العرب، بل كان "بنية سلوكية عميقة" تظهر كلما ضعفت السلطة المركزية، لتعيد صياغة التحالفات العسكرية والسياسية، تاركةً خلفها عروشاً مدمرة وإمبراطوريات ممزقة.
1. الجذور والنشأة: كيف صهرت السياسة الخلاف الجغرافي؟
تضرب جذور الانقسام بين القيسية (مضر وربيعة وأولاد عدنان) واليمانية (حمير وكهلان وأولاد قحطان) في أعماق الجغرافيا العربية القديمة؛ حيث مثل الطرفان نمطين مختلفين من الحياة والإنتاج والوعي الثقافي بين الشمال البدوي الرعوي والجنوب الحضري الزراعي.
ومع ظهور الإسلام، تمكنت الدولة النبوية ثم الراشدية من تذويب هذه الفوارق تحت مظلة "الهوية الإيمانية الجامعة". إلا أن حركة الفتوحات الكبرى واستقرار القبائل في الأمصار الجديدة (الكوفة، البصرة، الفسطاط، بلاد الشام) أحيت التنافس القديم بطرق مختلفة، حيث أصبحت القبائل تتنافس على المغانم والمناصب والعطايا.
معركة مرج راهط (64 هـ): التدشين السياسي للدم
لم يتحول هذا التنافس التقليدي إلى صراع سياسي هيكلي مسلح إلا مع أزمة الحكم التي تلت وفاة الخليفة يزيد بن معاوية. تمثلت نقطة التحول التاريخية في معركة مرج راهط (64 هـ) بالقرب من دمشق:
الأطراف: القبائل اليمانية (وعلى رأسها بنو كلب) الداعمة لمروان بن الحكم الأموي، ضد القبائل القيسية (وعلى رأسها بنو سليم وعامر) الداعمة لعبد الله بن الزبير بقيادة الضحاك بن قيس.
الأثر البنيوي: لم تكن المعركة مجرد جولة سياسية، بل كانت شقاقاً دموياً عميقاً صبغ الوعي الجمعي العربي بصبغة الثأر المتبادل. منذ ذلك التاريخ، تحولت "القيسية واليمانية" إلى حزبيين سياسيين مسلحين داخل جسد الخلافة.
2. معول الهدم الأول: الصراع القيسي-اليماني وسقوط الخلافة الأموية
قامت الدولة الأموية في أساسها على التوازنات القبلية، لكن الخلفاء اللاحقين عجزوا عن الحفاظ على دور "الحكم المحايد"، وانزلقوا إلى مستنقع الانحياز السافر، وهو ما شرع في تقويض الدولة من الداخل عبر ثلاثة مسارات قاتلة:
أ. تآكل الأسرة الحاكمة والشرعية السياسية
في أواخر العهد الأموي، تماهى الخلفاء مع العصبيات. فانحاز الوليد بن يزيد (125-126 هـ) للقيسية، ونكّل برموز اليمانية كخالد بن عبد الله القسري (والي العراق السابق) الذي عُذب حتى الموت. أدى هذا السلوك إلى تكتل اليمانية ودعمهم لانقلاب "يزيد بن الوليد" (يزيد الناقص) الذي قَتل الخليفة الوليد. كان هذا الشرخ العائلي-القبلي بمثابة إعلان رصاصة الرحمة على تماسك البيت الأموي الحاكم.
ب. شلل الجيش وفقدان العقيدة العسكرية
تكون الجيش الأموي من مقاتلي القبائل، ومع تغلغل العصبية، انقسم الجيش إلى فسطاطين. فلم يعد الجندي يقاتل دفاعاً عن ثغور الإسلام أو حماية للخلافة، بل نصرةً لحلفه. تسبب هذا في شلل تام للقدرات الدفاعية للدولة، حيث كانت أجنحة الجيش تنسحب أو ترفض إطاعة القائد إذا كان من الحزب المنافس.
ج. انفجار الأطراف: خراسان والضربة القاضية
انتقلت حمى الصراع القيسي اليماني إلى خراسان (مشرق الدولة). وفي الوقت الذي كانت فيه الدعوة العباسية السرية تنمو وتتمدد، كان الوالي الأموي (نصر بن سيار الكناني القيسي) يخوض حرباً وجودية طاحنة مع (جديع بن علي الكرماني الأزدي اليماني). استنزفت هذه الحرب الطاقات العربية هناك، وأعمت السلطة عن الخطر الزاحف، مما سمح لأبي مسلم الخراساني باختراق الساحة مستغلاً نقمة اليمانية ومظلوميتهم، ويسقط خراسان ومن ثم الدولة الأموية بأكملها في معركة الزاب (132 هـ) التي تجلى فيها الخذلان القبلي المتبادل في أبهى صوره.
3. الخلافة العباسية: من صراع القبيلة إلى صراع الأمم والعرقيات
مع قيام الدولة العباسية، اختلف التكوين البنيوي للسلطة؛ إذ لم تعد الدولة تعتمد حصرياً على العصبية العربية، بل انفتحت على المكونات غير العربية (الموالي). ومع ذلك، امتد أثر الظاهرة القيسية اليمانية وتطور عبر ثلاثة أشكال:
أ. الاستثمار العباسي المبكر
استغلت الدعوة العباسية هذا الشقاق بذكاء؛ حيث ركزت جهودها في البداية على استمالة القبائل اليمانية الناقمة على السياسة الأموية القيسية، مما وفر للثورة العباسية حاضنة قبلية متمرسة عسكرياً في المشرق والشام.
ب. صراع الأمين والمأمون: تحول العصبية إلى "قومية وجهوية"
في عهد أبناء الرشيد (الأمين والمأمون)، أخذ الصراع طابعاً أوسع تجاوز القبيلة إلى "الهوية الإقليمية والعرقية":
الأمين: حظي بدعم العصبية العربية والبيروقراطية العباسية التقليدية في بغداد.
المأمون: حظي بدعم العصبية الفارسية/الخراسانية.
أدى انتصار المأمون إلى إضعاف الوزن السياسي العام للقبائل العربية داخل مركز القرار ببغداد لصالح النفوذ الفارسي.
ج. التحييد القسري في عهد المعتصم بالله
أدرك الخليفة المعتصم بالله (218-227 هـ) خطورة الاعتماد على الجنود العرب المتقلبين بولاءاتهم القبلية. فاتخذ قراراً جذرياً قضى بـ إسقاط العرب من ديوان الجند، وقطع رواتبهم، واستبدالهم بـ المماليك الأتراك الذين جلبهم من بلاد ما وراء النهر. بهذه الخطوة العسكرية الحاسمة، انتهت العصبية "القيسية اليمانية" كفاعل سياسي وعسكري مباشر في عاصمة الخلافة، ليحل محلها صراع جديد بين العسكر الأتراك والبيروقراطية الفارسية والعربية.
4. الأندلس المفقود: عبقرية الترويض وانفجار لغم العصبية
انتقلت العصبية القيسية اليمانية مع الجيوش الفاتحة إلى الأندلس، وكادت أن تقضي على الوجود الإسلامي هناك في مهده نتيجة الحروب الأهلية المستعرة بين الوالي المضري يوسف الفهري وزعماء اليمانية.
أ. استراتيجية عبد الرحمن الداخل في الترويض والمعالجة
عندما نزل عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) الأندلس عام 138 هـ، واجه مجتمعاً متشظياً. فاستخدم عبقرية سياسية وعسكرية استثنائية لمعالجة هذه الظاهرة:
الاستثمار الذكي والمناورة: استفاد الداخل من ناقمية القبائل اليمانية على استبداد الفهري القيسي، فاستند إليهم في معركة المصارة (138 هـ) لإسقاط حكم الفهري، ممارساً حرباً نفسية وسياسية أكدت على مصيرية بقائه معهم.
التوازن وعدم الاستئصال: رفض تلبية رغبة اليمانيين في إبادة خصومهم القيسيين، بل أمّن القيسيين وقربهم، صانعاً توازناً دقيقاً يمنع استفراد أي طرف بالمشهد.
تأسيس الجيش النظامي المحترف: أدرك الداخل أن جيش القبائل قنبلة موقوتة. فقام بإحداث تحول هيكلي تمثل في شراء آلاف من "الصقالبة" (العبيد والعبيد الأوروبيين) والاستعانة بالبربر لتشكيل جيش نظامي محترف يدين بالولاء المطلق للأمير، مع تنحية شيوخ القبائل العربية عن القيادة العسكرية وإسقاط ديوان الجند القبلي بالتدريج.
ب. العودة القاتلة: الفتنة وعصر ملوك الطوائف
رغم نجاح أمراء وخلفاء قرطبة الأقوياء في كبت هذه النعرات، إلا أنها عادت للانفجار مع ضعف الخلافة وسقوطها عام 422 هـ. تمثل عصر ملوك الطوائف في إعادة إنتاج صارخة للعصبية القيسية اليمانية والرقية:
بنو عباد اللخميون اليمانيون في إشبيلية خاضوا حروباً مدمرة ضد جيرانهم من بني زيري الصنهاجيين (البربر) في غرناطة، أو ضد قوى قيسية ومضرية في مناطق أخرى.
بلغ تغلغل العصبية حداً جعل ملوك الطوائف يدفعون الجزية للملك القشتالي ألفونسو السادس ويستعينون به لضرب إخوانهم نكاية قبلية وجهوية، مما أدى في النهاية إلى تساقط الحواضر الإسلامية واحدة تلو الأخرى وصولاً إلى السقوط الكامل عام 897 هـ (1492 م).
5. التناسخ المعاصر: العصبية القبلية والجهوية في الدولة العربية الحديثة
لم تندثر العصبية القيسية اليمانية في العصر الحديث، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال وأقنعة تتناسب مع بنية الدولة المعاصرة. فرغم تبني الدول العربية لأشكال التحديث المؤسسي (الدساتير، البرلمانات، الجيوش النظامية)، إلا أن المضامين السلوكية ظلت محكومة بذات المنطق القبلي والجهوي:
أ. تحور العصبية إلى جهوية وطائفية
تطورت الثنائيات القديمة لتتخذ أشكالاً معاصرة: (شمال ضد جنوب)، أو (مركز مهيمن ضد أطراف مهمشة)، أو (طائفة دينية ضد أخرى). في جميع هذه التحورات، يتم استخدام نفس آليات الحشد القديمة: شيطنة الآخر، واحتكار الشرعية الوطنية والتاريخية، والتنافس على ريع السلطة ومواردها.
ب. "الدولة المحسوبية" وشراء الولاءات
عجزت الدولة العربية الحديثة في كثير من المحطات عن التحول إلى "دولة مواطنة"؛ فاستعارت أساليب الخلفاء القدامى في الاعتماد على العشائر والجهويات المقربة لضمان بقاء النظام، والتعامل مع بقية المجتمع كـ "رعايا" لا مواطنين، مما عمق الشعور بالإقصاء وأبقى الهويات الفرعية (القبلية والمناطقية) أقوى من الهوية الوطنية الجامعة.
6. الحالة اليمنية كنموذج: عندما تحكم القبيلة جغرافيا السياسة
يمثل اليمن المعاصر النموذج الأكثر وضوحاً وتأثيراً لارتدادات واستمرارية هذه العصبية التاريخية في إعاقة وبناء الدولة الوطنية الحديثة.
أ. تسييس القبيلة وعسكرة الجهوية
خلال العقود الأخيرة التي سبقت النزاع الحالي، تم بناء النظام السياسي والعسكري في اليمن على مبدأ "التحالف المصلحي" مع شيوخ القبائل (خاصة حاشد وبكيل في الهضبة الشمالية). وبدلاً من أن تقوم الدولة بمدنيتها بدمج وتحديث القبيلة، حدث العكس؛ حيث تغلغلت قيم القبيلة وعلاقاتها العشائرية في صلب مؤسسات الدولة والجيش. فكانت المناصب القيادية والألوية العسكرية توزع كحصص قبلية لضمان الولاء، مما أفرغ الجيش من عقيدته الوطنية وحوله إلى فصائل مسلحة جاهزة للانقسام عند أي مفترق طرق سياسي.
ب. ثنائية الهضبة والأطراف (النسخة الحديثة من الاستقطاب الجهوي)
أنتج هذا النمط من الحكم استقطاباً جغرافياً حاداً؛ حيث شعرت المناطق الوسطى والجنوبية والساحلية (التي تمتاز بالمدنية والإنتاج الزراعي والاقتصادي، تاريخياً ذات أغلبية شافعية) بأنها تقع تحت وطأة "استعمار داخلي" من قبل مراكز النفوذ القبلية العسكرية في الهضبة الشمالية (ذات الخلفية الزيدية). هذا التوزيع المختل للثروة والسلطة أعاد إنتاج ثنائيات الاستقطاب بشكل مدمر، وساهم في تغذية مشاعر الانفصال في الجنوب والتذمر في الغرب والشرق.
ج. الانهيار والعودة للمربعات البدائية
عندما سقطت سلطة الدولة المركزية في صنعاء عقب أحداث 2011 وما تلاها من انقلاب وحرب أهلية، تفتتت المؤسسة العسكرية والأمنية فوراً وبسرعة قياسية؛ حيث ارتدت كل فئة عسكرية إلى جغرافيتها وعصبيتها الأولى:
عاد الفرد العسكري للاحتماء بقبيلته أو منطقته الجغرافية لتأمين بقائه.
برزت قوى عسكرية متعددة على الساحة اليمنية اليوم (قوى الهضبة، القوى الجنوبية، المقاومات التهامية والشرقية)، وكل منها يرفع شعارات جهوية أو مذهبية واضحة للتعبئة والحشد، مما يوضح عقم وصعوبة إعادة بناء "دولة وطنية موحدة" في ظل غياب مشروع المواطنة وبقاء العصبية كآلية وحيدة للبقاء.
خاتمة وتوصيات: من العصبية البدائية إلى دولة المواطنة
إن تتبع مسار الصراع القيسي اليماني عبر التاريخ الإسلامي وصولاً إلى واقعنا العربي المعاصر يثبت حقيقة اجتماعية هامة: العصبية ليست قدراً جينياً أو عيباً ثقافياً متأصلاً، بل هي عرض مرضي يعبر عن "غياب الدولة العادلة".
عندما تفشل السلطة المركزية في تقديم نفسها كـ "حامٍ محايد" يضمن الحقوق والعدالة للجميع دون تمييز، ينكص الأفراد طوعاً إلى هوياتهم البدائية (القبيلة، الطائفة، الجهة) طلباً للأمن.
توصيات لبناء للدولة وطنية الحديثة:
احتكار أدوات القوة عسكرياً: تحييد مؤسستي الجيش والأمن تماماً عن أي محاصصة قبلية أو جهوية أو مذهبية، وبناؤها على أسس وطنية احترافية صرفة (النموذج الذي حاول عبدالرحمن الداخل تطبيقه قديماً بطرق عصره).
التنمية والعدالة التوزيعية المتوازنة: تفكيك الفوارق الاقتصادية بين المركز والأطراف، وضمان استفادة المجتمعات المحلية من ثروات مناطقها لقطع الطريق على شعارات الاستقطاب الجهوي.
مأسسة القضاء والتحكيم العادل: إنفاذ سلطة القانون المدني لتكون البديل الحقيقي والفعال عن الأعراف القبلية والمذهبية، وتوفير الأمان القضائي للمواطن لفك ارتباطه الاضطراري بعصبيته الحامية.
تأسيس هوية وطنية جامعة: صياغة مناهج تعليمية وخطاب ثقافي يركز على "المواطنة المتساوية" ويجرم خطابات الكراهية والتقسيم التاريخي والجهوي، باعتبار أن تنوع النسيج الاجتماعي مصدر ثراء لا وقوداً للاقتتال والتناحر.