يمكننا الايجاز انه في عالم تتغير فيه طبيعة الصراعات لم تعد السيطرة تقاس فقط بمن يملك الأرض بل بمن يفهم حركة التدفقات التي تصنع القرار
وفي محافظاتنا التابعة لإدارة مجلس القيادةالرئاسي تحديدا أصبح الاقتصاد يعمل داخل طبقات متعددة طبقة رسمية تظهر في بيانات البنوك والأسعار والتقارير وطبقة أخرى أكثر تأثيرا تتحرك عبر الحوالات والسيولة النقديةوشبكات التجارة والوسطاء ومسارات السلع
وهنا يظهر السؤال الاستخباراتي الحقيقي لاستخبارات بحوث السوق أو للاستخبارات الاقتصادية المختصة
هل ما زلنا نراقب الاقتصاد في محافظاتنا من خلال المؤشرات الظاهرة فقط؟
أم أننا نحتاج إلى الانتقال نحو استخبارات تفهم ما يحدث خلف الأرقام؟
فالمشكلة لم تعد فقط في سعر الصرف
قد يستقر السعر نسبيالكن المواطن يواجه ارتفاع تكلفة الحياة
في نعش المواطن مسمار سعر الدولار الجماركي والذي انعكس بارتفاع الاسعار
هل حل ازمة الحكومة مالية؟ اطلاقا لا
والى ذلك السياق نرى انه قد لا يحدث انهيار مالي كبير لكن القوة الشرائية تتراجع
وقد تبقى الأسواق ممتلئةلكن قدرة الأسرة على الشراء تنخفض
وهنا يظهر الخطر الأكبر
أن تتحول الأزمة من حدث يمكن احتواؤه إلى واقع يومي يتكيف معه المجتمع
من المعلومة إلى القرار
الاستخبارات الاقتصادية لا تبنى على جمع المعلومات فقطبل على القدرة على تحويل المعلومة إلى قرار
فالسؤال ليس
كم حجم الواردات من من الداخل المحافظات الشمالية ومن الخارج؟
بل
كيف تدخل؟
ومن يدير تدفقها؟
ومن هم الناقلون؟
ما مساراتها؟
ما حجم الأموال المرتبطة بها؟
أين تتركز؟
ولماذا تتحرك بهذه الطريقة؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن رقم تجاري فقط بل تبحث عن شبكة اقتصادية كاملة
لأن معرفة حجم السلعة دون معرفة شبكة الحركة حولها قد تعطي صورة ناقصة
ما هي البيانات التي ننحتاجها؟
التحول نحو استخبارات التدفقات يتطلب بناء صورة متعددة المصادر
حركة السلع بين المحافظات
أسعار الجملة والتجزئة
تغيرات النقل والطاقة
حركة الحوالات والسيولة
نشاط الصرافين
فروقات الأسعار بين المناطق
تغير سلوك التجار والمستهلكين
اتجاهات الأسواق الشعبية
فالاقتصاد الحقيقي لا يظهر دائما في التقارير الرسميةبل يظهر أحيانا في تغير سلوك الناس قبل تغير المؤشرات
اعتقد ان المؤشر الأهم أين يتحرك مركز الثقل؟
قد تكون المؤسسة قادرة على معرفة ما يحدث داخل البنك لكنها تحتاج أيضاا إلى معرفة ما يحدث خارج البنك
وقد تعرف حركة الأموال الرقمية لكنها تحتاج إلى فهم حركة النقد الفيزيائي
قد تراقب الميناء لكنها تحتاج إلى متابعة ما يحدث بعد خروج البضاعة
لأن القرار الاقتصادي الحقيقي قد يتشكل في السوق قبل أن يظهر في التقرير
بين الاستقرار الهش ومستقبل التحسن
المستقبل الاقتصادي لدينا قد لا يكون انهيار مفاجئ لكنه قد يبقى استنزاف تدريجي إذا لم تتغير طريقة القراءة
التحسن يحتاج أكثر من تثبيت مؤقت للعملة بمعنى اوضح
يحتاج إلى فهم
كيف تتحرك السيولة؟
كيف تعمل الأسواق؟
أين توجد الاختناقات؟
ومن يملك التأثير الفعلي؟
أما استمرار القراءة التقليدية فقد يجعل المؤسسات دائم في موقع من يشرح الأزمة بعد وقوعها
البعد الإقليمي لا اقتصاد بمعزل عن محيطه
التدفقات الاقتصادية مرتبطة ببيئة إقليمية أوسع فالطاقة والتجارة والتحويلات والأمن البحري كلها عوامل تتجاوز الحدود
ولهذا فإن بناء استخبارات اقتصادية أكثر نضجا يحتاج إلى تكامل بين القدرات المحلية والخبرات الإقليمية خصوصا مع الدول التي ترتبط أمنيا واقتصادياً باستقرار بلدنا وهنا أعني مع الأنظمة الاستخباراتية الاقتصادية السعودية
السؤال الأخير من يقرأ المستقبل؟
ربما لا تكون المشكلة في غياب المعلومات بل في غياب المنهج الذي يجمعها ويحولها إلى رؤية
فالمرحلة القادمة تحتاج إلى الانتقال
من استخبارات الملفات إلى استخبارات التدفقات
من مراقبة النتائج إلى فهم الأسباب
من انتظار الأزمة إلى استشرافها
لأن الدولة التي لا تفهم حركة المال والسلع والثقة ستبقى تلاحق آثار الأزمة
أما الدولة التي تفهم التدفقاتفهي التي تمتلك فرصة التأثير في مسار المستقبل
وفي النهاية اعتقد انه
إذا كانت البنوك تقيس قيمة العملة فإن الأسواق الشعبية تقيس قيمة الحياة
والسؤال الذي يحدد المستقبل ليس
كم تقريرا ننتج؟
بل
كم من حركة الاقتصاد نفهم فعلا قبل أن تتحول إلى أزمة؟ وإلى هنا ونكتفي
عميد/ محمد عثمان الأبجر